أزلو محمد يكتب: شبح الهجمات السيبرانية

أزلو محمد يكتب: شبح الهجمات السيبرانية

في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو التحول الرقمي، تصبح الهجمات السيبرانية ظاهرة تتجاوز حدود الدول، مشكلةً تهديداً وجودياً يُلقي بظلاله على الأفراد، المؤسسات، والدول على حد سواء. في هذا السياق، أكد الخبير الدولي في الأمن السيبراني، يوسف مزوز، الكاتب العام للمركز الإفريقي للأمن السيبراني، أن الهجمات السيبرانية تمثل “إشكالية عالمية وعابرة للحدود”، وهو ما يجعلها أحد أكبر التحديات التي تواجه الإنسانية في العصر الرقمي.

في حوار أجراه مزوز على هامش الدورة الثالثة لمعرض “جيتكس إفريقيا 2025” بمدينة مراكش، أوضح أن الطبيعة المتنقلة وغير الملموسة للفضاء السيبراني تجعل من الصعب ربط الهجمات بموقع جغرافي محدد. فالقراصنة اليوم لا يحتاجون إلى حدود مادية لتنفيذ مخططاتهم، بل يعتمدون على البنية التحتية الرقمية العالمية لاستهداف الضحايا في كل مكان.

هذا التحدي العابر للحدود يفرض إعادة النظر في أساليب التعامل مع الأمن السيبراني، حيث لا يمكن لأي دولة التصدي لهذه المخاطر بمفردها. إنها معركة عالمية تتطلب تضافر الجهود وتنسيقاً شاملاً بين مختلف الدول والمؤسسات الدولية.

وأشار مزوز إلى حقيقة صارخة: تحقيق أمن سيبراني مطلق أمر بعيد المنال. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني الاستسلام أمام القراصنة. فهناك العديد من التدابير والآليات التي يمكن أن تساهم في تقليل المخاطر والحد من الخسائر، ومن أبرزها استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة فعالة للكشف المبكر عن التهديدات ومواجهتها.

في الوقت ذاته، لفت الخبير المغربي إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة دفاعية، بل يمكن أن يكون سلاحاً ذا حدين. فالقراصنة يستغلون هذه التكنولوجيا لتطوير هجمات أكثر تعقيداً، ولتصميم برمجيات خبيثة تُباع في السوق السوداء للإنترنت. هذه البرمجيات، التي أصبحت أكثر تطوراً من أي وقت مضى، تمثل تهديداً غير مسبوق لقدرة المؤسسات على حماية بياناتها وأنظمتها.

التحول الرقمي الذي يشهده العالم يفتح أبواباً واسعة أمام التطور والابتكار، لكنه في الوقت ذاته يحمل معه مخاطر أمنية متزايدة. يرى مزوز أن هذا التحول يجب أن يتم بحذر بالغ، مع الأخذ بعين الاعتبار التحديات الأمنية التي قد تنجم عنه. فكل خطوة نحو الرقمنة تعني توسيع الرقعة التي يمكن أن يستغلها القراصنة.

أمام هذا الواقع المقلق، شدد مزوز على ضرورة تبني مقاربة شاملة ومنسقة للأمن السيبراني. هذه المقاربة يجب أن تنطلق من الاعتراف بالطبيعة العالمية للهجمات السيبرانية، والعمل على بناء شبكة تعاون دولية تسعى إلى تطوير حلول مبتكرة قادرة على التصدي لهذه التهديدات المتنامية.

وأشار إلى أن هذه الحلول يجب أن تكون متكيفة مع حجم التحديات الراهنة، موضحاً أن المؤسسات والمقاولات يجب أن تتبنى أنظمة حماية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتعمل على تحسين قدراتها الدفاعية بشكل مستمر.

وأبرز الخبير أهمية دور مصممي حلول الأمن السيبراني في تطوير تقنيات جديدة لمواجهة التهديدات المتطورة. وأكد أن الابتكار في هذا المجال لم يعد مجرد خيار، بل ضرورة حتمية للبقاء في مواجهة قراصنة الإنترنت الذين لا يكفون عن ابتكار أساليب هجومية جديدة.

وفي هذا الإطار، دعا إلى إنشاء مختبرات بحث وتطوير متخصصة في الأمن السيبراني، تكون قادرة على استباق المخاطر وتقديم حلول فعالة تواكب التطورات السريعة في عالم التهديدات الرقمية.

في ختام حديثه، عكس مزوز صورة تجمع بين التحذير والأمل. فمن جهة، حذر من أن العالم الرقمي الذي ننغمس فيه يوماً بعد يوم يحمل تهديدات قد تكون كارثية إذا لم يتم التعامل معها بجدية. ومن جهة أخرى، أعرب عن تفاؤله بقدرة البشرية على مواجهة هذه التحديات، إذا تم توحيد الجهود وتوجيه العقول نحو الابتكار والإبداع في مجال الأمن السيبراني.

إن الأمن السيبراني لم يعد ترفاً يمكن تأجيله، بل هو ضرورة تمس جوهر استمرارية الحياة الحديثة. في عالم تتحكم فيه التكنولوجيا في كل تفاصيل حياتنا، يصبح تأمين الفضاء الرقمي أولوية قصوى. إنه سباق لا مجال فيه للتخاذل، فإما أن نكون مستعدين، أو نترك أنفسنا عرضة لرياح التكنولوجيا التي قد تأخذنا إلى عوالم لا يمكن التنبؤ بها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *