التمويت المنهجي على ايقاع ” المعروف عرفا كالمشروط شرطا “

التمويت المنهجي على ايقاع ” المعروف عرفا كالمشروط شرطا “
بقلم سعيد ألعنزي تاشفين

منذ حوالي قرن تقريبا و فكرة تشييء الإنسان تطفو على السطح من لدن منظرين كبار في سياقات النقد المركب لنا أحل بالعالم من عقائد علمية و من حقائق على مقاس الربح . فنجد فلسفة التحليل النفسي و فلسفة الحضارة عند سيغموند فرويد ، و خاصة بعد تطويرها بمنظور اجتماعي عند فيلهلم رايش و إيريك فروم و ماركوز ، تولي أهمية قصوى للنظرية النقدية في مستويات تفيض عن سياجات المألوف . كما نجد تماما الأفكار الماركسية و الهيجلية الجديدة التي عبر عنها كل من كارل كورش و جورج لوكاتش في عدة مثون منها ” التاريخ و الوعي الطبقي ” حيث أشار فيه إلى فكرة تشيؤ الإنسان و اغترابه عن نفسه و عن نمطية العالم تمنح النظرية الإهتمام أكبر . و نجد كبير فلاسفة اليوتوبيا إرنست بلوخ يحاول جعل مبدأ الأمل مقولة أنطولوجية للوقاية البسيكولوجية من حالة الإغتراب محاولا بنَفس شديد التسويق للأمل كمقولة ذات حمولة نظرية في ضحد انسداد الأفق و تقريض ملامحه .

و يبدو أن مقولة التشيؤ و الإغتراب تكاد تكون إطارا مرجعيا لمعظم الأفكار التي يطرحها فلاسفة النظرية النقدية ، و نواة مركزية يدور حولها كلّ فكرهم التحرري في خضمِّ نقد المجتمع الرأسمالي الصناعي الذي تبجح بالوصول إلى باحة العقلانية بعد نضال مرير و مضنٍ انتهى بانتزاع السلطة من بين مخالب الفيودالية و منحها للبورجوازية الرأسمالية في كنف مقولة اقتصاد السوق . فالإنسان تحول من كيونة إلى مجرد عنصر تافه و رقم ضئيل من جهاز الإنتاج الذي تحدده الأسعار و الماكينة الإنتاجية التي حسمت مع المثل الزهدي الأعلى لتؤله الربح على شظايا إنسية بني البشر . فتحت ضغط التقنية أصبح الإنسان خاضعا لتسلط النظم البيروقراطية و أساليب القمع الإداري التي تجعله ضحية لمظاهر القهر الصناعي على حد قول هربرت ماركوز الذي رفض بقوة كل مظاهر التنميط و القولبة على حساب حق الإنسان في صون كرامته و حفظ كبريائه . و لذلك نجد أدورنو و هوركهايمر يعمّقان القول في ظاهرة الإغتراب و التشيؤ على الفن و على مختلف تجليات الإبداع ؛ حتى حصل انحطاط كبير في مختلف الأعمال الفنية من باب سلعنة الفن و تبخيس قيمه و ازدراء الهوية الأخلاقية للفن و تبخيس مضامنه الجمالية . و رواد النظرية النقدية في عدة سياقات يُرجعون أسباب التشيؤ و الإغتراب إلى علاقات الإنتاج و محددات السوق الرأسمالية التي عمّقت ما سماه هوركهايمر ب ” عبادة السلع ” أو صَنَمية العلائق بلغة هربرت ماركوز ( إنها الفيتيشية ) ؛ بما يجعلنا تحت وطأة الإستيلاب أمام سلعنة الإنسان و جعل الربح مقياسا لكل منطق في البحث و التحليل و استصدار الأستنتاجات من مدخل الربح و الخسارة . و استنتج ، بناء على موقف النقد الداخلي ، أن الإنسان أضحى خاضعا لتسلط التخصص التقني و البيروقراطية الإدارية و صناعة الدعاية و الإعلام و كل الوسائط الجماهيرية التي تُخضع عبر العنف الناعم إلى خوصصة الحقيقة و تفنيد كل رأي معارض و طبعه بالعدمية و الإبتذال . إن رواد فرانكفورت يحمِّلون كل تبعات اغتراب الإنسان إلى ” العقل الأداتي ” و العقلانية التقنية التي دمرت كل أشكال الثقافة كبنية فوقية خاضعة بالقسوة لتوازنات الربح كهدف اجرائي يؤطر آليات اشتغال البنية التحتية كمحدد لنمط الإنتاج الرأسمالي ، على خلاف التحليل الماركسي اللينيني الذي يرجع بصلابة دواعي الإغتراب إلى العامل الإقتصادي المحض ، و من أجل القضاء على الإغتراب يكفي القضاء على المِلكية الخاصة لوسائل الإنتاج . و يبدو لي أن تيودور فيزنجروند أدورنو و هربرت ماركوز و ماكس هوركهايمر كانوا أكثر عمقا في الدفع بالماركسية إلى عمق التحليل السوسيولوجي في تفكيك منطق الرأسمالية الداخلي و إعادة تشكيله وفق قواعد التحليل السوسولوجي الذي لا يبخس الدرس النقدي بمعاول السوسيولوجيا النقدية من حيث نجاحهم في تفكيك نسقية الرأسمالية الصناعية بالعوامل السوسيو – نفسية من داخل بنية سوسيولوجيا التنظيمات ( المعمل / المصنع / المقاولة / الأسرة النووية / الفرد الخاضع لقوالب الإستهلاك .. ) ، بدل الإستسلام للعامل الواحد الحاسم كما تذهب الماركسية اللينينية من خلال تقديس الدور الطلائعي للعامل الإقتصادي . فالعقل الأداتي إذن هو ذلك التفكير السائد في المجتمع الصناعي الحديث ؛ حتى أننا نجد ماركوز في كتابه الشهير ” الإنسان ذي البعد الواحد ” يُلقي عتابا شديدا على مُخرجات الرأسمالية الصناعية التي استباحث الإنسان و أخضعته لسلطة التقنية و الربح بتحويله تعسفا من ذات حرة مفكرة و مسؤولة إلى رقم تافه في معادلة الإستهلاك كوسيلة لرفع الأنتاج كغاية لصالح الربح كمثل زهدي جديد مؤلَّه بأيديولوجيا اقتصاد السوق . و ماركوز يذهب بعيدا في التحليل حتى إنه يعتبر المنطق الأريسطي يؤمن بإخضاع جميع الموضوعات ، سواء كانت عقلية أو جسمية ، للقوانين العامة نفسها للتنظيم و الحساب و الإستنتاج . إنه مباشرة منطق السّيطرة الكامن في أسلوب التفكير العِلمي و التقني الحديث . و هكذا أزعم إن ايديولوجيا الرأسمالية الصناعية ليست سوى سلطة إخضاع الإنسان تحت وطأة التشيؤ و الإغتراب إلى منطق السوق التي تسلّطت على كل التنظيمات بما فيها الفرد في ذاته كمستهلك منمّط على شكيلة الهوس البافلوفي . و بقدر ما تَعتبر النظرية النقدية سياق استئساد الرأسمالية سياقا حسم مع المعنى المركب للإنسان نحو الإنسان ذي البعد الواحد و الوحيد و كرقم تافه قابل للهدر تحت حسابات الربح ، بقدرما نجد فرويد في كتابه ” قلق في الحضارة ” يوضح أن التطور الإجتماعي و الحضاري الذي حققته البشرية لا يتم إلا بالقمع المستمر للدوافع و الحاجات الإنسانية الأولية بما يزكي نظيمة ” الكبت يبني الحضارة ” من خلال تحويل الطقات الليبيدية إلى قوة عمل ترفع الإنتاج لصالح الباطرونا عبر توسيع هامش فائض القيمة . فالإنسان بفضل الكبح يكتسب ثقافته ، و كذلك تطوِّر الرأسمالية آليات الكبح ترويضا للإنسان ، حتى أن احترام القواعد و النُّظم الإجتماعية هو نوع من القمع الواعي أو غير الواعي للدوافع و الحاجات و الرغبات الأولية . و عطفا على فرويد يضيف ماركوز إن هناك فائضا من القمع فرضته مصالح السلط الحاكمة و مؤسّساتها و تنظيماتها . و غير بعيد كان هابرماس دقيقا عندما اعتبر التقنية و العلم ايديولوجيا ، و لذلك حري بعلوم الفعل و السلوك المنهجية كالإجتماع و الإقتصاد و التاريخ و السياسة .. الإتجاه نحو تحرير الإنسان من كل ألوان القهر و دعمه لبلوع الرُّشد عن طريق التأمل الذاتي المستقل . و أمام ما حصل من تراكم فج و كبير ، بما قوّض كل امكانيات النقد و التحرر من ربقة التعسف الرأسمالي الذي حول الكينونة إلى رقم تافه و حول كل مداخل التحرر إلى وسائط للتحكم لدرجة أن دعم سلطة المختبر يفضح خلفيات الجحود الرأسمالي إزاء كل ادراكات الإنسان ككائن بيو – ثقافي مركب ، يؤكد أن إنتاج الحقيقة العلمية ليس سوى ترف معرفي في معبد كهنة السوق الذين يخططون للربح ببنادق الحرب الناعمة في وغى المختبرولوجيا ؛ و كأن رواد مدرسة فرانكفورت كانوا يتنبؤون بولادة تعسف قديم / جديد و ببروقراطية أمرُّ و أشد هو تعسف المختبر . و بناء على كل هذا حري أن نتساءل ؛

هل فعلا تأتي سلطة المختبر لتكمِّل الغزو المُبين الذي بدأته التقنية قبل وفاة رواد فرانكفورت و فرويد ؟

هل نحتاج ، تحت طائلة الشك المنهجي ، إلى ثورة عقلانية مُضادة تقف صامدة ضد الغزو التقني الذي أعلن موت الله ليُنصِّب الربح إلاها جديدا على أشلاء العقيدة الفضلى المؤمنة بإلاه الرحمة و بقدسية كينونة البشر ؟

هل نحتاج تحت وقع المخاوف المشروعة إلى التوحيد بين الفلسفة و الثورة ، بمطالبة الفيلسوف أن يكون ثائرا ، و الثائر بأن يكون فيلسوفا ؛ و كذلك كل أنساق الثقافة لعلنا نفك قيود الصعالك الجدد في سوق ثقافية أضحت عُرضة لهتك العرض في ماخور السلعنة و التشيئ ؟ لربما ننجح في حماية الضمير الجمعي من هوس الفوبيا و الرعب !!

أليست النظرية النقدية موفّقة في التنبؤ بكورنا الذي حسم حرب الإخضاع بإغلاق الكنائس و المساجد و البَيع ، و حبس الطقوس و العبادات ، و جعل البشرية جمعاء ترتعش تحت ضغط فيروس هولامي أنتجته التقنية كجند من جنود رب الربح الذي أخضع العالمين لسلطته لا شريك له؟

   أليس مارتن هايدغر على صواب عندما أقر بأن كل ما بلغته الإنسانية من تقدم انتهى بالبشر إلى مخلوقات مستباحة في عالم بلا معنى تُهدر فيه الكينونة و لا عجب ؟ 

هل انتهى الوعد الوردي الذي أطلقه كانط في معرض حديثه عن معنى التنوير تحت ضربات المِطرقة ، لا كما ذهب نيتشه الذي قتل الله في مِقصلة أخلاق السادة و الهوس الباطولوجي بالسوبرمان الذي انتهى ضحية بين مخالب الحقيقة المختبربة ، بل كما تعتمدها النيو – ليبرالية عبر ماكينة دعائية ناجحة في خلق بروباغاندا ايديولوجية وخيمة تطبِّع مع نهاية الإنسان ؟

أليس لوي ألتوسير على صواب عندما استنتج أن السوق تقوم على أيديولوجيا خفية ، و الأيديولوجيا تقتل العلم كما يؤكد ؟

أليست ميولاتنا الجماعية انعكاسا لسداجة البداوة فينا و التي صنّفها الأنتوبولوجيون مرحلة بدائية من العقل ، و كلود ليفي ستراوس كان دقيقا في محاولته الموافقة في البحث الأنثروبولوجي بين النسبية الثقافية و العمومية النظرية ؟

أم ترى نحتاج إلى استعجال مجيء ” المهدي المنتظر ” لكبح جماع هولاكو العصر ؛ أقصد كوفيد 19 الذي سيستنزل حلول التلقيح كمهدي منتظر وفق عقيدة مهدوية جديد تؤسِّس لقبول الإنزياحات و شرعنة العبودية الجديدة باسم الوقاية من الموت ؟ و هذه العقيدة المهدوية أليست يوتوبيا أخرى في خضمِّ حرب الصعالك الجدد الذين حاصروا الإنسان و ألَّهوا التقنية فأخضعوا البشرية عن بكرة أبيها إلى سياجات ” العلم ” !!

نافلة القول ، إن الحذر الإبيستينولوجي مطلوب على قاعدة اليقظة المعرفية في تلقي ترسانة الرعب الذي تسوق له الماكينة الإعلامية لإخضاع البشرية جمعاء لمنطق استهلاكي واحد و وحيد . و لأن الرأسمالية الإمبريالية ، بلغة لينين ، قد حوّلت تسويق الإنتاج إلى هدف مقدس عبر مداخل تنظيم النسل و الحروب و الأوبئة و تعديل الخريطة الجينية و ضبط الديموغرافيا منذ عهد مالتوس حيث قاعدة نمو السكان بمتتالية هندسية و نمو الإقتصاد بمعادلة حسابية ثم ولادة الحاجة إلى التحكم في رحم النساء لصالح السوق . و حيث إن الحرب الكونية الثانية قتلت أكثر من خمسين مليون من الضحايا في أقل من ست سنوات ، و لأن لازمة العرض و الطلب دقيقة في فهم منحى الكون منذ القرن التاسع عشر قبل حلول كوفيد التاسع عشر ، و لأن العُرف الرأسمالي يُشرعن القتل تحت عدة مسمّيات مثل أسلحة الدمار الشامل أو تحضير الشعوب و نشر الديموقراطية و تعميم حقوق الإنسان و المدنية .. فإن قاعدة ” المعروف عُرفا كالمشروط شرطا ” تُفيد جدا لتقدير فرضية ما أسميه ب ” التمويت المنهجي ” بمحراب الإخضاع البسيكولوجي في سراديب المختبرولوجيا المضمرة ؛ و طبعا من الغباء التوقع أن بلدان الجنوب قادرة على صد هجوم المختبر و شتى التنظيمات المواكبة له في قوالب البروباغوندا المشرعنة لماركوتينغ الرأسمالية في جيلها الرابع ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *