الموت الكوفيدي: منعوا عنك يا رفيقي الاوكسحين

الموت الكوفيدي: منعوا عنك يا رفيقي الاوكسحين
بقلم فؤاد الجعيدي


أكره الكتابة الصحافية من عمق الألم الاجتماعي وبالأخص حين تكون افتتاحية تحتاج إلى موقف واضح وشفاف ينير عتمة قضية.
حين يشتد بي الألم، أتوسل لمنطق الحكي، وتقاطع التفاصيل لأمسك بناصية لحظات المعاناة وأتتبع مساراتها الخفية، حيث يوجد شياطين.
في هذا اليوم، كانت جراحي غائرة، صهري ورفيقي وصديقي الذي بلغ من العمر عتيا، يأكل رئتيه كوفيد 19 بوحشية، قصدت كل معارفي من الأطباء، استعملت تكنولوجيات التواصل، لبعث تطورات حالته ساعة بأخرى، ينام على سرير طبي تحركه الأزرار بشكل ميكانيكي أماما ووراء وصعودا وهبوطا. الممرض بجانبه على مدى ساعات النهار يحقنه بالمضادات وحقن منع تختر الدم وأخرى للمعدة عبر محلول السيروم الذي يدخل عروقه بانتظام القطرات الموصولة بأنابيب بلاستيكية شفافة تلتقي بإبرة مزروعة في ظاهر اليد .
الأطباء يسارعون في تأويل المقاطع المحوسبة للرئتين. يتبين أن كوفيد 19 افترس الواجهة الأمامية. كما أكد ذلك أطباء التخدير والإنعاش الطبي والأمراض الصدرية.
الساعة الثانية صباحا.
يرن هاتفي، استيقظت مذعورا على صوت صهري يتوسل إلي للحضور. رأيت صدره يهتز بقوة، رأيته ديكا ينتفض من شدة الذبح. سارعت إلى نقله على وجه السرعة للمستعجلات.
على أنفه وضعوا قناع الأوكسجين، ثم عاد فورا إلى هدوئه وصار قياس الأوكسجين يتردد ما بين 93 و 96. عادت الحياة له وتوجه نحو الشاشة المعلقة فوق رأسه، يتابع تفسيرات طبيبة قسم المستعجلات وهي تطمئنه على سلامته وخروجه، من مرحلة الخطر قالت: الضغط الدموي ودقات القلب صارت في مستوياتها الطبيعية وأيضا نسبة الأوكسجين.
في اليوم الموالي عدنا إلى البيت، المشكل بكل بساطة، ضرورة مرافقة مولد الأوكسجين ذي سعة خمسة لترات، بقارورة من الأوكسجين المصنع.
اقتنينا من شركة الأوكسجين قارورتين، بعد لقائنا مع صاحب الوحدة اللبناني الجنسية ببرشيد، والذي استقبلنا بلطف وحفاوة. وعدنا بأمل كبير أننا انتصرنا في هذه المحطة. في اليوم الموالي أدركنا أن الأوكسجين نفذ، وعلينا التعبة. اتصلت بالمدير العام لشركة السوائل والغاز الطبي MROXYCO هاتفيا، والذي سبق له وأن أخبرني بإمكانية التعبئة من سطات. لكن رأيه تغير وأخبرني بضرورة الالتحاق ببرشيد، مدعيا أنه في اجتماع. على وجه السرعة قطعت مسافة 30 كلم، لجلب الأوكسجين، كنت مجنونا أسابق الزمن بسارتي، علني أعود في الوقت المناسب إلى رفيقي الذي يصارع الموت، إن نفذ الأكسجين، اقتنينا قارورة جديدة بسعة أكبر ليظل التناوب ممكنا.
تعذر علي في اليوم الموالي العودة للشركة، أرسلت أخ صهري للقيام بالمهمة، امتنعوا بالشركة عن تعبئة الأوكسجين، علما أننا لم نكن في تلك اللحظات نساوم. ما يطلب منا يؤدى نقدا وفورا.
اتصلت، بالمدير العام هاتفيا، سألني عن صفتي تقدمت بها كرئيس هيئة تحرير مجلة 24، ادعي من جديد أنه في اجتماع، ترجيته بأشد أساليب الرجاء على أن يعطي أمره للعاملين بالشركة قصد السماح بتعبئة القوارير. لكنه امتنع وأبى.
كنت أتوسل لهذا الشخص اللبناني وأنا أدافع عن الحق في الحياة لإنسان مغربي داخل وطنه، في زمن صعب في زمن الجائحة التي فتحت عيوننا على أناس، قليلا ما يتمتعون بالحس الإنساني، وقليلا ما يشعرون بآلام الآخرين، في اللحظات الحرجة. لكنهم نهمون كثيرا لجني المال بوجوه تعلوها البشاشة، وقد اختاروا اللحظات الأشد حرجا، للمضاربة والتمنع الأعمى.
القوارير قفزت أثمنها من 270 ده إلى 500 ده. بات الأوكسجين الذي يصنعه دوران الآلات يفوق أسعار النفط ومضاربات النفط في هذا الزمن الرديء والماكر.
أين الحكومة؟ أين السلطات الوصية؟ أين أجهزة المراقبة اليومية لصد كل هذا الجشع المر والقبيح؟ أين الضوابط المجتمعية التي تمنع أن يؤكل الناس في واضحة النهار؟
تفاصيل هذه الحكاية، لا زالت تتبعها حكايات مماثلة، ويومية. ولازال الوباء يحصد أرواحا في مواقف متشابهة. وقد حان الوقت لإيقاف كل هذا الجشع على وجه السرعة المطلوبة.
حرام أن تصير أرواح المرضى رهائن بين أيادي رهط قد أعمت قلوبهم قوانين سوق فتحت على مصراعيها للجشع الوحشي.
لقد رحل رفيقي، تحت خصاص الأوكسجين، في اللحظات الأخيرة كان يلتمس مني ضخ المزيد منه، ثم ضرب السرير بقوة بيده اليمنى، كان الجهاز المثبت بأصبع يده لقياس الأوكسجين قد توقف، سارع الممرض لأخذ قياس الضغط الدموي. رأيت الدموع تتسابق في عيون هذا الشاب الأبيض والنحيف في لباسه التمريضي، قال لي: انتهى كل شيء.
لكن حكاية رفيقي لم تنته، لأنها كانت فقط بالنسبة إلي فاتحة تعرية بؤس لا يصدقه سوى من عاش المأساة بكل تفصيلها حتى لحظات الاحتضار. الذي لا نقبل رؤيته في الحيوان فما أدراك الإنسان.
من باب الحماقة أن يقطع أصحاب سيارات الإسعاف مسافة 30 كلم، الفاصلة بين سطات وبرشيد لتعبئة قوارير الأكسجين الصغيرة التي ترافق المرضى إلى أقسام المستعجلات وهناك إمكانية تعبئتها بسطات. لم أجد تفسيرا لهذا الوضع، ربما السلطات التي رخصت للمصنع تتوفر على معلومات أدق وعليها الخروج العاجل من صمتها وحيادها وإعطاء معنى حقيقي لوظائفها في حماية الأمل في الأمن الحياتي للناس.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *