كلمة الحبيب المالكي رئيس مجلس النواب في اختتام الدورة التشريعية الثانية من السنة التشريعية 2019-2020

كلمة الحبيب المالكي رئيس مجلس النواب في اختتام الدورة التشريعية الثانية من السنة التشريعية 2019-2020

2020-07-24T19:48:47+01:00
2020-07-24T19:48:58+01:00
سياسة
24 يوليو 2020آخر تحديث : منذ أسبوعين

كلمة السيد الحبيب المالكي، رئيس مجلس النواب

في اختتام الدورة التشريعية الثانية
من السنة التشريعية 2019-2020

الرباط، 23 يوليوز 2020
بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

السيدات والسادة الوزراء
الزميلات والزملاء النواب
السيدات والسادة،
نختتمُ أشغالَ الدورةِ التشريعية الثانية من السنة التشريعية 2019-2020، في سياقٍ خاص وظروف غير مسبوقة ناجمةٍ عن انتشار وباءِ كوفيد 19 مع كلِّ الانعكاساتِ والتداعياتِ التي نعيشُها جميعاً، وأمْلَتْ علينَا، على غِرَارِ باقي بلدان العالم، تغييرَ أنماطِ اشتغَالِنَا، وتكييفَ سلوكاتِنَا مع ما تَستلزمُه الوقايةُ من الجائحة.
وقد كَان علينَا في مجلس النواب أن نُعْطِي المَثَلَ في الانضباط لقواعد الوقاية من الوباء، وفي نفس الوقتِ الاستمرارُ في أداءِ مهامِّنَا، وأكثرَ من ذلك تعبَّأْنَا، في جميعِ أجهزةِ المجلس، رئاسةً ومكتباً ورؤساء فرق ولجاناً نيابية لتكونَ مؤسستُنا في قلبِ المعركةِ ضد الجائحة، معركةٌ يقودُها بِحَصَافَةٍ وتَبَصُّرٍ ورُؤْيَةٍ استراتيجيةٍ، صاحبُ الجلالة الملك محمد السادس أعزه الله على مختلف الواجهات الصحية والاقتصادية والاجتماعية.
وحيث إِنَّ هذه المواجهة هي معركةٌ وطنيةٌ، متعددةُ الأبعاد، فقد تَطَلَّبَتْ مِنَّا تعبئةً نوعيةً، أَوَّلاً، حِرْصاً على الاحترام التَّامِ والدقيقِ لمقتضياتِ الدستور تكريساً، وترسيخًا للديمقراطية وَصَوْناً لِـمبدإِ دولةِ المؤسسات ؛ وثانيا من أجل المصادقةِ على ما يَلْزَمُ من تشريعاتٍ كان اعتمادُها مُلْزِماً وحاسماً ومُلِحّاً وعاجلاً من أجل تأطيرِ السياقِ الخاص وغَيْرِ المسبوق، ومتطلباتِه، بما في ذلك القوانينُ المتعلقةُ بحالةِ الطوارئ الصحية، وما يرتبطُ بها من تدابيرَ استثنائية. وتَوَّجْنَا أشغالَنَا بالمصادقة على مشروع قانون المالية التعديلي وما يرتبطُ به من نصوص، والتي كانت حاجةً تشريعيةً لجعل قانون المالية برسم سنة 2020 يتلاءمُ مع مُتَطَلَّبَاتِ اقتصادِ السياق الجديد ومُستلزماتِه التَّمْوِيلية والاجتماعية ومع متطلباتِ إعادةِ إِطْلاقِ الدينامية الاقتصادية. وفي المجموع صادق مجلسُ النواب على واحد وعشرين (21) مشروعَ قانونٍ تُغَطِّي مختلف الأنشطة والقطاعات، منها ما يتعلق بعتاد وتجهيزات الدفاع والأسلحة والذخيرة والأمن السبراني ومراقبة واستيراد السلع ذات الاستعمال المزدوج مدني وعسكري ؛ وهي نصوص يكتسي اعتمادُها دلالةً وطنيةً وسياديةً كبرى.

حرص تام على احترام الدستور في سياق الجائحة
ومرةً أخرى، ينبغي التأكيدُ على أن التداولَ بشأن هذه القوانين والمصادقةُ عليها من طرف مجلس النواب تم في إطار الاحترام التام لروح الدستور والممارسةِ الديموقراطية ودولة المؤسسات، وفي إطار من التوافق وبالإجماع في أغلبية النصوص، مما يعكس وَحْدَةً وطنيةً في التصدي لتداعيات الجائحة. وفي هذا السياق ينبغي التذكير بأهمية المبادرات التشريعية للسيدات والسادة أعضاء المجلس الذين تقدموا منذ بداية الولاية الحالية بما مجموعه 219 مقترح قانون، لم تتجاوب الحكومة، مع كامل الأسف، سوى مع ثلاثة عشر (13) مقترحا منها، وما يزال مائتا (200) مقترحَ قانونٍ قيدَ الدرس نأمُل أن تتجاوب الحكومة معها.
ويُمْكِن أن نَجْزِمَ، بأن مجلسَنا استجاب في مجال التشريع إلى حاجياتِ البلاد من القوانين بالسرعة والفعالية المطلوبة، وَوَسَّعَ من صِيَغِ انفتاحِه على المجتمع والتواصل معه من خلال تكنولوجيا الإعلام والاتصال، إذ تضاعفت نسبة تتبع أشغال المجلس على مستوى الجلسات العامة واللجان على قناته الالكترونية على سبيل المثال ب 300 في المائة.

جهد رقابي موجه لمواجهة الوباء وتداعياته
ومن جهة أخرى، سَخَّر مجلسُنا جُهْدَهُ الرقابي لمواجهة الوباء وتداعياته، إِذْ إِنَّ الجلساتِ الرقابيةَ الخمسةَ عشر التي عَقَدْنَاها خلال هذه الدورة، ومنها ثلاثُ جلساتٍ أَجَابَ خلالها السيد رئيس الحكومة على أسئلة أعضاء المجلس، وجلسة مشتركة لمجلسِيْ البرلمان تفعيلا للفصل 68 من الدستور ، خُصِّصَت أشغالُها بالكامل لهذا الموضوع، وغَطَّتْ سِتَّةَ عَشَرَ (16) قطاعاً مما يُجسِّدُ يقظةَ المجلس وحِرْصَه على المواكبة والـمُسَاءَلَة.
وبالأرقام بلغ عدد الأسئلة التي وجهها أعضاء المجلس إلى الحكومة ما مجموعه 3390 ، سؤالا منها 826 سؤالا شفويا تمت برمجة ومناقشة 42 منها في إطار الأسئلة التي تليها مناقشة، و2564 سؤالا كتابيا توصل المجلس بجواب عن 795 منها.
ومن جهة أخرى، وتفعيلا لدورها الرقابي، ناقشت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان تقرير المهمة الاستطلاعية التي أنجزتها حول أوضاع المؤسسات السجنية، كما قُدِّم أمام أعضاء لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج تقرير المهمة الاستطلاعية التي أنجزتها حول قنصليات المملكة في عدد من البلدان.
وتمت هذه المناقشة والتقديم بحضور أعضاء الحكومة المعنيين بالقطاعين.

اللجان الدائمة : دينامية في التشريع والرقابة
واصلت اللجان النيابية الدائمة خلال الفترة الفاصلة بين دورتي أكتوبر 2019 وأبريل 2020، وخلال دورة أبريل 2020، أشغالها التشريعية والرقابية بوتيرة عادية، إذ عقدت 53 اجتماعا خصصت 31 منها لمراقبة العمل الحكومي ومساءلة الوزراء ومسؤولي المؤسسات العمومية، وحرصت على ملاءمة طرق اشتغالها مع متطلبات الوقاية من الوباء، إذ تم الاعتماد أكثر على التكنولوجيات الحديثة ضمانا لمشاركة جميع أعضاء اللجان في هذه الأشغال، وتكريسا لانفتاح المجلس على الرأي العام.
ودرست اللجان النيابية الدائمة وصادقت خلال 22 اجتماعا على 21 مشروع قانون من مجموع 26 مشروع قانون.
وفي الشق الرقابي، خصصت اللجان النيابية اجتماعاتها لدراسة 72 موضوعا وتقدم أعضاؤها باقتراحات بشأن القضايا التي كانت موضوع هذه الاجتماعات مع السلطة التنفيذية.
وسواءٌ تَعَلَّقَ الأمرُ بالتشريع أو الرقابة، على مستوى اللجان الدائمة والجلسات العامة، حَرِصْنَا على تجسيدِ مَبْدَإِ القُرْب وعلى أن يكونَ لكل قضيةٍ مجتمعيةٍ صَدَاهَا، هنا تحت هذه القبة من مُنْطَلَقِ وَاجِبِ التفاعل مع قضايا المجتمع. وفي هذا الصدد واصلنا رصد التعهدات الحكومية أمام أعضاء المجلس وراسلنا الحكومة بشأن 56 منها . وقد مَارَسَ المجلسُ اختصاصاتِه ونَهَضَ بأَدْوَارِه الدستورية والمؤسساتية رغم الظروف الناجمة عن الجائحة، إلى جانب باقي المؤسسات، إذ يُمكننا في المغرب أن نفخرَ بأننا واجَهْنَا الجائحةَ، ومازِلْنَا نواجهُهَا على نحوٍ مُتَمَيِّزٍ وناجعٍ وفعال في مختلف الواجهات الصحية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك بفضل رؤيةِ جلالةِ الملك وتدبيره الهادئ، وتخطِيطِه الـمُحْكَمِ والـمَبْنِي على الاسْتِباق والفعالية والإقْدَام والتضامن والاحْتِرَاز والتحكم في مسار الوباء. وقد جَنَّبَتْ التعليماتُ الملكية والتدابير التي أمر جلالة الملك باتخاذِها، على أساسِ قراءةٍ استراتيجيةٍ للأوضاع، المغربَ كارثةً صحيةً أخطرَ، فِيمَا مَكَّنَ قرارُ جلالتِه بإحداث صندوقِ مواجهةِ الجائحة من تأمينِ مداخيلَ لأَكْثَرَ من خمسةِ ملايين أسرة، ومن دعمِ المقاولات الوطنية حفاظاً على مناصبِ الشغل وعلى الإنتاج، ومن توفيرِ حاجياتٍ مستعجلةٍ وغير متوقعةٍ من التجهيزاتِ والموادِ الطبية.
لقد اعْتَبَرَ جلالةُ الملك في قيادته لتدبيرِ الجائحة أن الأولويةَ لِحياة المواطنات والمواطنين في جميع الأحوال والظروف. وكَمَا أثبت جلالتُه ذلك، في تدبير عدة قضايا استراتيجية من قَبِيلِ مُكافحة الإرهاب، والتَّصَدِّي للاخْتِلاَلاَتِ المناخية وعواقِبها، والتعاون جنوب-جنوب، والهجرة، والتأسِيس للاقتصاد الأخضر، والتحضير لنموذج اقتصادي جديد، فقد بَرْهَنَ جلالتُه عن حكمةٍ فريدةٍ وبُعْدِ نَظَرٍ ومقارباتٍ تَضَعُ الانسانَ في صلبِ السياساتِ الاقتصادية والاجتماعية. وتظل الحِكْمَةُ والاستباقُ والوقايةُ الخَيْطَ النَّاظِمَ في المبادراتِ الملكية.

دروس علمتنا إياها قيادة جلالة الملك لتدبير الجائحة
لقد عَلَّمَتْنا هذه القيادةُ الملكيةُ للبلاد في ظل الأزمة دروسَ أخرى إضافية في الوطنية والتماسك.
أما الدرس الأول الذي يُمْكِن استخلاصُه فيتمثلُ في أن قوةَ الدول ليست مرتبطةً بمستوى الاقتصاد والتكنولوجيا فحسب، بل بِحُسْنِ القيادة وبِبُعْدِ نَظَرِ وحَصَافَةِ قَادَةِ الدول وبالتدابير الاستباقية التي ينبغي اعتمادُها. إنه يتمثلُ في ضرورة الدولة الراعية، ليس فقط كسلطةٍ سياديةٍ وامتدادٍ مجاليٍ تَعَزَّزَ دَوْرُها بأعمالِ القربِ وباليَقظةِ المستمرةِ والحرصِ على الالتزام بمستلزماتِ الحَجْرِ الصحي، ولكن بالتواصلِ وتنفيذِ القرارات المتخذة مركزيا ؛ دولةٌ راعيةٌ اجتماعياً تَكْفَلُ الحدَّ الأدنى من الدَّخْلِ للجميع في سياقِ تَوَقُّفِ العديد من مؤسسات الإنتاج، وتُوَفِّرُ الخدمات الصحية، وتَكْفَلُ انْسِيَابَ واستمراريةَ باقي الخدمات من قبيل التعليم والتكوين عن بُعْد والماء والكهرباء والانترنيت والولوج للعدالة وغيرها.
الدرس الثاني الذي نحنُ بصددِ تَعَلُّمِهِ، يتمثلُ في أن هذا الـمُنْجَزَ في سياقِ الجائحة، المكفولِ برعايةٍ ملكيةٍ والـمُرْتَكِزِ على الرؤيةِ التي حَدَّدَها جلالتُه على نحوٍ استباقيٍ لتدبيرِ تداعياتِ الجائحة، هو اليومَ بصددِ تعزيزِ مَنْسُوبِ الثقة في المؤسسات وفي صِدْقِيَةِ أعمالِها وتَدَخُّلاتِها. وبالتأكيد فإنه علينا كفاعلين سِيَاسيين أن نُقَدِّرَ هذا الرصيدَ حَقَّ قَدْرِه.
أما الدرسُ الثالث الذي لَـمِـسْنَاه، فإنه يتعلقُ بالمستقبل، ذلكم أنه إذا كان من شَأْنِ الجائحةِ أن تَتَسَبَّبَ في فقدانِ العديد من مناصبِ الشغل في عددٍ من القطاعات، فإنهُ يتعينُ علينَا أَلاَّ نَسْمَحَ بأَن تُعَمِّقَ تداعياتُها الفوارقَ الاجتماعية والمَجَالِية، والفوارقَ بين الأجيال. وبالتأكيد، فإنَّ ذلكَ لَنْ يَتَأَتَّى من خلال التضامن فحسب، ولكن بإعطاءِ هذا التضامن – باعتباره قيمةً اجتماعيةً نبيلة – مُحْتَوًى آخرَ وأبعادَ أخرى بِجَعْله مُنْتِجاً، ودامجاً في علاقات الإنتاج وفي النسيج الاقتصادي.
وفي جميع الأحوال، إننا مطالبُون بالحفاظِ على هَذَا الزَّخَمِ من التضامنِ، والتلاحمِ وجعلِه مرتبطاً جَدَلِياً بالإقلاعِ الاقتصادي.
إننا مُطَالَبُونَ أكثرَ من أي وقتٍ مَضَى بتحويلِ الإمكانيات غير المستعْملةِ إلى ثرواتٍ عبر عمليةٍ تجعلُ الإنسانَ في صُلْبِها وهَدَفَها الأسَاسْ. وبالتأكيد، فإن هذه الإمكانيات عديدة، واستغلالُها سَيَكُونُ مُنْتِجاً للقيمةِ الـمُضَافَة وللمردوديةِ التي تُحْدِثُ التراكم. ولستُ في حاجة إلى تذكيركم بما يَطْرَحُه علينا التَّحَدِّي الرَّقمي، وبما نتوفرُ عليه من إمكانياتٍ تَفَجَّرَتْ في شكلِ مواهبَ ومشاريعَ واختراعاتٍ في سياقِ الجائحة. ولستُ في حاجة إلى تذكيرِكُمْ بأهميةِ الاقتصاد الأخضر وضرورة تسريعِ الانتقالات التي دشنتها بلادنا في هذا المجال، وبأهمية البحث العلمي والبحث من أجل التطوير.
إنها نماذِجُ فقط من الإمكانيات التي تُسْعِفُنَا في تحويل انعكاسات الجائحة إلى فُرَصَ للتنميةِ المستدامة، والنهوض على نَحْوٍ يتلاءم مع السياق الخاص. وقد دَشَّنَتْ بلادُنا بالفعل التَّوَجُّهَ إلى هذا الأُفُقِ في عِزِّ الجائحة من خلال الاختراعات التي أبْدَعَتْها مَهَارَاتٌ مغربيةٌ سواء في مجال التجهيزات الطبية أو وسائل الوقاية والتطهير أو في المجال الرقمي، واحْتَضَنَتْـها المقاولةُ المغربية التي أبَانَتْ عن القدرةِ على التَّكَيُّفِ مع السياقِ الخاص، ودَعَّمَتْهَا وواكَبَتْهَا السلطاتُ العموميةُ بتوجيهاتٍ من جلالة الملك.
ويتمثل الدرسُ الرابع في الأهمية القصوى التي ينبغي أن تُعْطَى للعنصر البشري، وفي ضرورة الاستثمار في الإنسان، وفي الصحة و التربية والتعليم والتكوين، ومراجعةِ أنماطِ الاستهلاك ومراجعةِ الاولويات. وينبغي في سياق العولمة إعطاءُ أهميةٍ خاصة للبعد الإنساني في أفقِ قيامِ نظامٍ عالمي جديد. ويتطلب هذا الأمرُ تجاوزَ المقارباتِ والنظرةِ الآنية العابرة لتدبير الأنشطة والعلاقات. وينبغي عكس ذلك، إعمالُ مقارباتٍ استراتيجية تَسْتَحْضِرُ عَنَاصِرَ مُرَكَّبَةً في هذا التدبير، ومنها عُنْصُرُ الزمن، وعُنْصُرُ تَقَاسُمِ مكاسبِ العلم والبحث العلمي ونتائجه.
وبالتأكيد، فإن الجائحةَ وتداعياتِها، ستفرضُ علينا في مجلس النواب، على غرار باقي برلمانات البلدان الديموقراطية، ملاءمةَ المساطر وآلياتِ العمل. وفي هذا الصدد حَرِصْنَا على فتح ورش مراجعة النظام الداخلي للمجلس. ومن جهة أخرى، سيكون علينا في السلطتين التشريعية والتنفيذية استشراف فتحِ ورش إصلاح عدد من النصوص القانونية من قبيل القانون التنظيمي للمالية، والقانونين التنظيميين المتعلقين بالعرائض والملتمسات من أجل التشريع، والتوجُّهُ إلى إصلاح المنظومة الصحية. وينبغي أن يكون ذلك في إطار من التوافق الوطني واستحضاراً للدروس المستخلصة من الممارسة وعلى أساس الإِنْضَاجِ وإشراك الفاعلين المعنيين.
لقد كنا في المجلس أمام مرحلة مُؤَسِّسَة في آليات العمل، وحققنا مكاسبَ هامة على طريق رَقْمَنَةِ أشغالنا وتواصلنا، ونحن بصدد ترصيد كل ذلك والبناء على التراكم المنجز لتحقيق الانتقال الرقمي الشامل.

استعمال أمثل لتكنولوجيا الإعلام والاتصال في الأشغال والتواصل                       

وقد كثف مجلس النواب خلال هذه الدورة التشريعية من تواصله مع المواطنات والمواطنين الذين ازداد اهتمامهم وتتبعهم لمداولات المجلس خلال فترة الجائحة.
وشكلت وسائط الاتصال الجديدة بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي والبوابة الإلكترونية للمجلس أدوات أساسية لهذا التواصل، إذ سخر المجلس الإمكانيات الضرورية لهذا الغرض بهدف تمكين أعضاء المجلس من المشاركة عن بعد في اجتماعات اللجان النيابية وباقي هيئات المجلس، وذلك على إثر قرار المجلس باتخاذ التدابير والإجراءات الاحترازية الضرورية في ظل تفشي وباء كوفيد 19 ، وبالتالي التقليص الإرادي لعدد السيدات والسادة النواب الحاضرين عمليا في الجلسات العامة واجتماعات اللجان.
وقد حرص المجلس على التأقلم بسرعة مع سياق الجائحة مستندا الى مكتسباته في مجال التحول الرقمي والبرلمان الإلكتروني إذ اعتمدخطة تواصلية توخت تقريب العمل البرلماني من المواطنين وعكس انشغالاتهم في ظل هذه الأوضاع الاستثنائية.
ولقد عقدت مختلف هيئات المجلس ما يزيد عن 100 اجتماع، تم خلالها تمكين السيدات والسادة النواب غير الحاضرين في عين المكان من المتابعة والمناقشة عبر تقنيات “التناظر عبن بعد” بطريقة آمنة.
وارتفعت نسبة المنخرطين في قناة المجلس على اليوتوب بحوالي 300% بالمقارنة مع بداية شهر أبريل من السنة الجارية، وحظيت القناة بحوالي 500 ألف مشاهدة، شكلت فيها فئة الشباب من 18 إلى 34 سنة ما يزيد عن 52% من المشاهدين، سواء من داخل المغرب بنسبة 73% ، أو من الخارج من فرنسا وإسبانيا وباقي دول العالم.
وعلى مستوى صفحة المجلس على الفايسبوك، تمت مشاهدة حوالي ثلاثة ملايين دقيقة من الفيديوهات المتعلقة بأشغال الجلسات العامة واللجان النيابية، وتضاعف عدد المنخرطين 3 مرات بالمقارنة مع الفترة السابقة ليصل إلى 75. ألف كما عرفت بعض الجلسات التي تم بثها على الصفحة تتبعا كبيرا من طرف المواطنين تعدى 200 ألف مشاهدة.
وعلى شبكة تويتر، ارتفع عدد متتبعي حساب مجلس النواب بحوالي 20 الف ليصل إلى 117,000 حاليا، كما سجل أكثر من 521 ألف تفاعل مع المحتويات المرتبطة بأنشطة المجلس.
وتعكس هذه الأرقام أهمية المواضيع التي تناولها المجلس خلال فترة الحجر الصحي والتي كانت في قلب انشغالات المواطنين والإشكالات والصعوبات المرتبطة بالمرحلة، واقتراح الحلول والبدائل بما يعكس نضج الممارسة الديمقراطية الوطنية
ورغم الإكراهات المرتبطة بالحجر الصحي، تم الحرص على التحيين المستمر للبوابة الإلكترونية للمجلس، ونشر مختلف المعلومات والوثائق والمستجدات بالسرعة المطلوبة، وكذا ترجمة المحتويات ونشرها باللغات الخمس العربية والأمازيغية والفرنسية والإسبانية والإنجليزية.
ولقد زار البوابة الإلكترونية خلال هذه المرحلة ما يزيد عن 170 ألف مستعمل من بينهم 17% من خارج المغرب، بحوالي 6 % من فرنسا، و3% من الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول العالم.
ولقد حرصت رئاسة المجلس على التفاعل إيجابا مع المقترحات التي يتم التوصل بها عبر البوابة الإلكترونية من أجل تجويد مقترحات ومشاريع القوانين، والإنصات لانشغالات المواطنين، حيث يتم تجميع هذه المقترحات وتعميمها على السيدات والسادة رؤساء الفرق والمجموعة النيابية ورؤساء اللجان من أجل اتخاذ ما يرونه مناسبا في الموضوع.
وتم الحرص على المواكبة الإعلامية لمختلف أنشطة المجلس عبر إصدار بلاغات صحفية في الموضوع وتعميمها على وسائل الإعلام، وكذا نشر ملخصات حول أشغال اللجان على البوابة الإلكترونية للمجلس ومختلف شبكات التواصل الاجتماعي.
وفي الجانب التواصلي كذلك، أنجز مجلس النواب عددا من المطويات والوسائط التعريفية بمجلس النواب وهيئاته، من بينها وثائق موجهة للناشئة وزوار المجلس بصفة عامة. وتشرح هذه الوسائط مهام مجلس النواب واختصاصاته وتركيبته ومختلف هيئاته، باللغات العربية والأمازيغية و الفرنسية والإسبانية والإنجليزية.
ووعيا منه بأن التسريع بالتحول الرقمي بمجلس النواب أصبح ضرورة ملحة، سيمكن المؤسسة التشريعية من استشراف المستقبل بثبات، تمت بلورة خطة استراتيجية في هذا المجال تهدف إلى اعتماد الرقمنة كوسيلة لضمان النجاعة والحكامة الجيدة والانفتاح، والذهاب أبعد ما يكون في الحد من استعمال الورق، وتعزيز التبادل الإلكتروني مع مختلف شركاء المجلس.

مبادرات جلالة الملك إزاء إفريقيا تجسيد عملي لتضامن المغرب مع أشقائه
السيدات والسادة،
في عِزِّ تَسَيُّدِ النَّزَعَاتِ الفَرْدَانِية، وازْدِهَارِ خطاباتِ الانْطِوَاء وانْشِغَالِ العديدِ
من القوى العالمية بِهُمُومِهَا الداخلية، وإغفالِ اِلْتِزَامَاتِها الدولية، في عِزِّ كلِّ ذلك، كانَ لجلالةِ الملك محمد السادس حفظَهُ الله رؤيةٌ ومقاربةٌ مُتَفَرِّدَةٌ جَوْهَرُها التضامن والتكافُلُ ليس فقط داخلَ المغربِ، ولكن مع الآخرين، تجسيداً لتضامنِ المغربِ، مع أشقائِه وأصدقائِه خاصةً في إفريقيا. وهكذا، وَفِي أَوْجِ الجائحة أَمَرَ جلالتُه بإرسالِ مساعداتٍ قَيِّمَةٍ تَمَثَّلَتْ في أدويةٍ وكَمَّامَاتٍ وموادَّ وقائية وأجهزةٍ طبيةٍ إلى ما لاَ يَقِلُّ عن خمسةَ عشرَ بَلَداً إِفْريقياً. إِنَّهُ نموذجٌ ملموسٌ لتَقَاسُمِ أعباءِ الجائحة واستحضارِ الآخرين، الأشقاء والأصدقاء، في زمن الشِّدَّةِ والحاجةِ والعَوَزِ كما في زَمَنِ الرخاء. لقد كان الضميرُ العالمي، وما يزال مُمْتَحَناً إزاءَ الأوضاع في إفريقيَا وهي تُواجهُ الجائحة. وتجسيداً لرؤيتِه التضامنية الاستباقية، كان لجلالة الملك الفَضْلُ في إطلاقِ مبادرةٍ لرؤساء الدول الافريقية من أجل إرساءِ إطارٍ عَمَلِيَّاتِي لمواجهةِ انتشارِ وباء كوفيد 19، وتَقَاسُمِ الخبراتِ والتجاربِ والممارسات الجيدة لمواجهةِ التأثيراتِ الصحية والاقتصادية والاجتماعية للجائحة في افريقيا.
السيدات والسادة،
لَقَدْ جَثَمتِ الجائحةُ وما تزالُ تَجْثُمُ على مختلف مَنَاحِي الحياة، والأنشطة البشرية، وهي بصددِ تغييرِ وجهِ العالم، والعلاقاتِ الدولية ؛ وسيكونُ لانعكاساتِها بالتأكيد، آثارٌ جيوستراتيجيةٌ حاسمةٌ.

الجائحة ستحدث قطائع جديدة خلا ل القرن 21
وإذا كان القرنُ العشرون قد تميزَ بالتحولات والثَّوَرَاتِ الكبرى التي كان من أسبابها الأزمةُ العالميةُ لعام 1929، والحَرْبَانِ العالميتان وما تلى ذلك من حرب باردة وقُطْبِيَةٍ ثُنائية وَتَخَلُّصٍ من الاستعمار، فإن القرنَ 21 سيكونُ بدورِه، بسبب الجائحة وغيرها من العوامل، قَرْنَ قطائعٍ جديدة على مستوى الوعي والتَّمَثُّلاَتِ، وعلى مستوى أساليب ومفهوم العمل، وربما علاقاتِ الإنتاج. إن العولمةَ على النحو الذي عِشْنَاهُ خلال حوالي أربعينَ عاماً، مُسَاءَلَةٌ اليوم عَمَّا إذا لم تَكُنْ قَدْ بَلَغَتْ مَدَاهَا في تَقْدِيس منطق الـمَنْفَعَةِ والربح وإغفال القيم والأخلاق والأبعاد الإنسانية للمبادلات وللتواصل، وعَمَّا إذا لم تكن هي بصدد إعادة انتاجِ فوارقَ جديدة، هذه المرة على مستوى العلم والابتكارات والمعرفة الرقمية.
وبدون شكٍّ، فإن الجائحةَ سَتُعَمِّقُ هذه الفوارق مع تَوَجُّهِ الدول والتكتلات الاقتصادية إلى إِعْمَال سياساتٍ وتدابيرَ تندرجُ في إطارِ المفاهيم والخطاباتِ التي تَزْدَهر اليوم من قبيل “السيادة الوطنية” و”الأفضلية الوطنية” و”إعادة توطين الاستثمارات”، وهو ما نَأْمَلُ ألاَّ يتحوَّلَ إلى حواجز جديدة وتدابير تُكَرِّسُ الانغلاق.

استمرار التعبئة من أجل القضايا الوطنية
وفي سياق النقاش الدولي حول الجائحة وتداعياتها، كان لمجلسِنَا مساهماتٌ متميزةٌ في الفعاليات التي نظمتها المنظماتُ البرلمانيةُ متعددةُ الأطراف، حيث حَرِصنا وباقي أعضاء المجلس، على إبرازِ وتثمينِ الممارسة المغربية في تدبير الجائحة، مع الحرص، كل الحرص، على التصدي لبعض الأطراف التي حاولت اقتناصَ الفرصة لاستئناف مناوراتها السياسية ضد وحدتنا الترابية.
ولَمْ يُثْنِنَا انشغالُنا بالجائحة عن العمل في واجهة الدبلوماسية البرلمانية من أجل قضايا السلم، إذ حَرِصْنَا بالخصوص على مواصلةِ مساندتِنا الكاملة للشعب الفلسطيني في مواجهته لخطط سلطات الاحتلال الإسرائيلي بضم غور الأردن وأجزاء جديدة من الضفة الغربية ضداً عن القانون الدولي وقراراتِ الشرعية الدولية وإمعاناً في تصفيةِ القضية الفلسطينية.
وعلى الرغم من السياق الخاص المطبوع بالحد من التنقل بين البلدان جراء الوباء، فقد حرص المجلس على المشاركة في عدد من المؤتمرات والندوات الثنائية ومتعددة الأطراف عبر تقنيات التواصل عن بعد. وتجاوب المجلس مع طلبات العديد من المنظمات والبرلمانات الوطنية بتقاسم الممارسة المغربية في ظل الجائحة، وشارك في اجتماعات عدد من المنظمات البرلمانية متعددة الأطراف من قبيل الجمعية البرلمانية لمجلس أوربا والجمعية البرلمانية للفرنكوفونية والبرلمان الإفريقي وبرلمان مجموعة دول الأنديز.

السيدات والسادة،
تواصلُ بلادنا تصديها للجائحة، ويتعبأُ لذلك جميع المؤسسات ومختلَفُ القطاعات وعلى مختلَفِ الأصعدة. وفي واجهة المعركة الطبية ضد الوباء، تُوجَدُ الأطرُ الطبية وشبهُ الطبية، المدنية والعسكرية، من أطباء وممرضين وموظفي الوقاية المدنية الذين يستحقون كل الثناء والتقدير.
وفي الصف الأمامي أيضا، القواتُ المسلحة الملكية التي تقفُ حاميةً لحدود الوطن، وتقف اليوم أيضا، في الصف الأمامي لإِسْنَادِ قوات الأمن الوطني في
الحفاظ على قواعد السلامة. فإلى هذه القوات، بقيادةِ قائدها الأعلى جلالة
الملك محمد السادس كل التحية والتقدير.
وفي الصف الأمامي أيضا يقف رجالُ ونساءُ السلطة والأمن الوطني والدرك الملكي والقوات المساعدة الذين يُضَحُّون من أجل صيانة الأمن وتطبيق قواعد السلامة.
وفي صفوف المواجهة الخلفية كان لرجالِ ونساءِ التعليم دورٌ يستحقُّ التقدير، بعد أن ضَمِنُوا استمراريةَ العمليةِ التعليمية في زمن الحَجْرِ الصحي. كما يَحْرِصُ التجارُ والفلاحون على ضمان تموينِ السوق. وفي هذا الظرف الاستثنائي لا يفوتني أن أُشِيدَ عاليا بالجهود الـمُضْنِية التي يبذلُها النساء والرجال العاملون في مجال النظافة الذين يشتغلونَ في ظروفَ وسياقاتٍ صعبة ويتحملونَ أعباءَ مكلفةً في ظرفٍ صعب.
وفي الختام، يطيب لي أن أثمنَ التعاون الذي أبانت عنه مختلف المؤسسات، شاكرا للسيد رئيس الحكومة وللسيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان وكل السيدات والسادة الوزراء مُسَاهَمَاتِهِمْ وتَجاوُبِهم مع مبادراتِ وتساؤلاتِ المجلس واقتراحاته والتي كانت أساسية في جَعْلِ حصيلةِ الدورة في مستوى التحديات التي تواجِهُها بلادُنا. كما أُثْنِي على عملِ أجهزةِ المجلس وأعضائه وموظفيه وموظفاته وكل من يَسْهَرُ على أمن المؤسسة من قوات مسلحة ملكية وإدارة الأمن الوطني وممثلي وسائل الإعلام الذين تابعوا أشغالنا.
لقد اشتَغَلْنَا خلال هذه الدورة في سياقٍ خاص، ولكننا حَرِصْنَا على احترام الدستور. وحَرِصْنَا في رئاسة ومكتب المجلس على تَرْصِيدِ المهام والتَّكَيُّفِ مع ظروف الجائحة كما يتبينُ ذلك من دراسة حول “رصد وتحليل دور مجلس النواب خلال فترة الطوارئ الصحية” أعدها المركز البرلماني للأبحاث والدراسات والتي ستوزع عليكم، والتي هي جزء من حصيلة أولية حققها هذا المركز وتتمثل في عدد من الدراسات والدلائل العملية سنوافيكم بها حال إجازتها من طرف الرئاسة والمكتب.

السيدات والسادة،
لقد ربحنا رهان الحد من الوباء وتداعياته، ولكن الخطر ما يزال قائما مما يفرض على الجميع الالتزام بالشروط التي وضعتها السلطات العمومية في سياق الرفع التدريجي للحجر الصحي واستئناف الأنشطة الاقتصادية. ويظلُّ الهدفُ هو أن تَخْرُجَ بلادُنَا منتصرةً قويةً في المعركةِ ضد الوباء، وعلى كل الأصعدة، كي تُوَاصِلَ تَنميتَها وتطورَها وتقوية مؤسساتها وبناءَها الديموقراطي وتَرْبِحَ رهانَ الإِقلاع وتنهضَ كقوةٍ صاعدةٍ بقيادة جلالة الملك محمد السادس الذي نغتنمُ مناسبةَ الذكرى الواحدة والعشرين لاعتلائه عرش أسلافه المنعمين لنجدد لجلالته آيات الولاء والإخلاص مُتَضَرِّعِينَ إلى العلي القدير بأن يحفظ جَلاَلَتَهُ ويُدِيمَ عليه الصحة والعافية وهو يُواصلُ قيادةَ المملكة إلى مزيد من العزة والتقدم والرخاء والنماء وتكريس تموقعها المُقَدَّرِ إقليميا وقاريا ودوليا .
أشكركم على حسن الإصغاء.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.