الأسابيع الحاسمة: ضغط عسكري للتفاوض أم شرارة حرب إقليمية؟

الأسابيع الحاسمة: ضغط عسكري للتفاوض أم شرارة حرب إقليمية؟
متابعة مجلة 24

أظهرت التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في الشرق الأوسط مستوى تصعيديًا غير مسبوق من حيث حجم الانتشار وسرعة التنفيذ، ما أعاد إلى الواجهة احتمالات المواجهة المباشرة مع إيران، رغم استمرار المسار الدبلوماسي عبر محادثات غير مباشرة في جنيف. ويتصدر المشهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي منح طهران مهلة قصيرة لإبرام “صفقة مجدية”، محذرًا من عواقب وصفها بـ“السيئة” إذا تعثرت المفاوضات، بينما تؤكد إيران أنها تسعى لصياغة مسودة تفاوضية تراعي مصالح الطرفين.

وتزامن التصعيد الكلامي مع رسائل ردع متبادلة. فقد شددت طهران على أنها سترد “بحزم وبصورة متناسبة” على أي اعتداء، معتبرة القواعد والمنشآت العسكرية التابعة لأي قوة مهاجمة أهدافًا مشروعة. وفي هذا السياق، رأت صحيفة فايننشال تايمز أن حجم الحشد الأمريكي كافٍ لخوض حملة جوية قد تمتد لأسابيع، مشبهةً المشهد بالتحضيرات التي سبقت غزو العراق عام 2003.

وفي المقابل، تحدثت تقارير متطابقة في وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز عن نشر مقاتلات شبحية متطورة، وطائرات دعم وقيادة، وأنظمة دفاع جوي، إلى جانب مجموعتي حاملات طائرات، في أكبر حشد من نوعه منذ عقدين. ووفق المعطيات اللوجستية، شمل الانتشار 39 ناقلة وقود جوية و29 طائرة نقل ثقيل، مع توجه حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد آر. فورد” للانضمام إلى “يو إس إس أبراهام لنكولن” قبالة سواحل عُمان.

وعلى الصعيد الدولي، اعتبر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أن تحديد مهلة زمنية قد يكون نهجًا منطقيًا إذا كان الهدف التوصل إلى اتفاق يتمتع بالمصداقية، مؤكدًا ضرورة التحقق الدقيق من وضع المنشآت النووية الإيرانية وكميات المواد الحساسة وحالتها الراهنة.

من جانبهم، رأى خبراء عسكريون، بينهم بيكا واسر من مركز الأمن الأمريكي الجديد، أن كثافة القوة الجوية وسرعة الحشد تعززان احتمال تنفيذ ضربات فعلية. كما أكدت دانا سترول، المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية، أن ما يجري يعكس رغبة في انتزاع نتيجة ملموسة خلال فترة قصيرة.

وذهبت مجلة نيوزويك أبعد من ذلك، مشيرة إلى سيناريوهات قد تتجاوز ضربات محدودة نحو حملة طويلة الأمد توصف بـ“حرب خليج ثالثة”، مع خيارات تشمل استهداف منشآت نووية أو قيادات عسكرية. غير أن الصحيفة البريطانية حذرت في المقابل من ارتفاع خطر سوء التقدير، لا سيما في ظل استثمار عسكري ضخم قد يصعب التراجع عنه دون مكاسب واضحة.

على الجبهة الإيرانية، كشفت صور أقمار صناعية عن تعزيزات وتحصينات إضافية في محيط منشآت نووية، تزامنًا مع مناورات بحرية مشتركة مع روسيا. وفي سياق متصل، بعث السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني رسالة إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش حذّر فيها من أن التلويح باستخدام القوة يمثل تهديدًا فعليًا للسلم والأمن الدوليين، مؤكدًا في الوقت نفسه أن بلاده تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس.

أما في إسرائيل، فأعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الاستعداد لمختلف الاحتمالات، ملوحًا برد “غير متوقع” على طهران إذا بادرت بالهجوم. وتذهب تقديرات إلى أن إيران تمتلك أكبر ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة في المنطقة، بمدى يناهز 2000 كيلومتر، ما يضع كامل الشرق الأوسط وأجزاء من جنوب شرق أوروبا ضمن نطاق قدرتها.

وخلاصة المشهد أن المنطقة تقف عند مفترق حساس: فإما أن يتحول الحشد العسكري إلى أداة ضغط قصوى تدفع نحو تنازلات متبادلة على طاولة جنيف، أو ينزلق الوضع إلى مواجهة مفتوحة ذات كلفة استراتيجية واقتصادية باهظة. وتبدو الأسابيع القليلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا التصعيد تمهيدًا لاتفاق أكثر تشددًا من اتفاق 2015، أم شرارة نزاع قد يعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط برمته.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *