صلاحيات البرلمان في رسم السياسات العمومية وتقييمها

+ = -

عبد الرحيم مومن

تعتبر السياسات العمومية بصفة عامة، تلك الموضوعات المتصلة بعملية اتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بالنظام العام، والتي تأثرت في مراحل تطورها بمختلف القفزات النوعية التي حققها علم السياسة. يعرف المعهد العالي للدراسات العمومية في فرنسا السياسات العمومية على أنها “مجموع القرارات والأعمال والتدخلات المتخذة من طرف الفاعلين المؤسساتيين والاجتماعيين لأجل إيجاد الحلول لمشكل جماعي ما”.
والبرلمان الذي يمثل حجر الزاوية في الأنظمة الديمقراطية، التي تعد فيها المشاركة الشعبية، المصدر الأساسي لتأسيس وممارسة السلطة السياسية، حيث تلعب هذه المؤسسة دورا فعالا في رسم السياسات العمومية وتقييمها، وذلك تبعا لصلاحيات القانونية المخولة لكل برلمان، بهدف ممارسة اختصاصاته في مجال التشريع والمراقبة.
إلى جانب أن السياسات العمومية كذلك تشير إلى حصيلة ما ينتجه النظام داخل مؤسسات الدولة، وهي كذلك سلسلة قرارات ترتبط بمجموعة تفاعلات ديناميكية معقدة تشترك فيها عناصر رسمية وغير رسمية، مميزة في سياقها القراري، ترتبط بثقافة ومنظومة قيم فكرية وسياسية وبثنائية السلطة وتوزيعها، وعملية تقييم السياسات العمومية غالبا ما نجد تعريفات المبسطة والتي تعتبر التقييم بمثابة محاولة لتحديد فعالية إحدى هذة المؤسسات، عبر مقاربة نتائجها بالأهداف المسطرة والوسائل الموضوعة تحت تصرفها.
وبالتالي فأهمية السياسات العمومية وتقييمها تبرز من خلال الوثيقة الدستورية لسنة 2011، مقارنة مع الدساتير السابقة، والتي همت توسيع الاختصاصات البرلمانية على مستوى التشريع والرقابة، وتخفيف العقلنة البرلمانية، وتعزيز الدور التقييمي للبرلمان في مجال السياسات العمومية.


أولا: دور البرلمان في رسم السياسات العمومية.


أعطت المراجعة الدستورية الأخيرة، البرلمان دورا أكبر في رسم السياسة العامة للدولة، من خلال توسيع مجال القانون، وتخويله عدة صلاحيات في مجال الرقابة، وكذلك من خلال إضافة اختصاص جديد، متمثل في الرقابة المواكبة لسياسة الحكومة والمتجلية في صورة تقييم السياسات العمومية. “يمارس البرلمان السلطة التشريعية يصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية.”.
فالتغيرات التي عرفتها المؤسسة التشريعية، جعلت منها حسب البعض المستفيد الأكبر من التحول الدستوري الذي عرفه سادس دستور في المملكة، فبالرغم من الاحتفاظ بنظام الازدواج البرلماني إلا أنه تم إعادة الأمور إلى نصابها فيما يتعلق بتركيبة البرلمان وكذا الاختصاصات الممنوحة لكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين، بشكل يمكن من تحقيق الازدواج البرلماني الفعلي من خلال وجود غرفتين متباينتي التركيبة والاختصاصات.


تانيا : تقييم السياسات العمومية كاختصاص جديد للبرلمان.


يعتبر التقييم مفهوم دخيل و ذو استعمالات متعددة، ومفهومه ذو محتوى قابل للتطور في خضم سياق مؤسساتي وإداري خاص. ويعرف التقييم على أنه ذات أو وسيلة لتحسين القدرة على تعلم قيادة إصلاحات فعالة وتحديد أهداف قابلة للإنجاز في مجال نجاعة العمل العمومي حسب النتائج. وينطبق التقييم عموما على ثلاثة أنواع من الأمور : البرامج / السياسات / المشاريع.
ويعد تقييم السياسات العمومية أهم إضافة أناط ها الدستور بالبرلمان، وهو اختصاص رقابي ووسيلة مهمة تمكن البرلمان بغرفتيه من الاطلاع على عمل الحكومة في ميدان السياسات العمومية والإنجازات التي تم تحقيقها، انها مناسبة تسمح للبرلمانيين في جلسة عمومية تخصص لهذا الغرض لتتبع إعداد وكذا تنفيذ هذه السياسات، ومن ثم تقييمها وتحديد موقفهم من السياسة الحكومية المتبعة في هذا الميدان.
هكذا أصبحت الحكومة وفق أحكام الدستور ملزمة سنويا ابتداء من تاريخ المصادقة على برنامجها من طرف مجلس النواب أن تتقدم أمام البرلمان بمجلسيه لعقد جلسة قصد مناقشة السياسات العمومية، بموجب عرض حول الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، حيث يتولى كل وزير عرض حصيلة ومنجزات القطاع الذي يشرف عليه.
وقد أشار الدستور في غير ما مرة إلى هذا الاختصاص الجديد الذي اناطه بالبرلمان ففي الفصل 101 نص على أن “تخصص جلسة سنوية من قبل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها “. كما نص نفس الفصل في فقرته الأولى على أن ” يعرض رئيس الحكومة أمام البرلمان الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، إما بمبادرة منه أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو من أغلبية أعضاء مجلس المستشارين”.
كما أصبح البرلمان بإمكانه اللجوء إلى مساعدة المجلس الأعلى للحسابات في مجالات مراقبة المالية العامة، لتقديم الأجوبة والاستشارات المرتبطة بوظائف التشريع والرقابة والتقييم المتعلقة بالمالية.
حيث نص دستور 2011 في الفقرة الأولى من الفصل 148″ يقدم المجلس الأعلى للحسابات مساعدته للبرلمان في المجالات المتعلقة بمراقبة المالية العامة، ويجيب عن الأسئلة والاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية العامة.”. وبالتالي فقد الزم المشرع المجلس الأعلى للحسابات بالتفاعل مع البرلمان في جميع المجالات المتعلقة بمراقبة المال العام، والرد على أسئلة واستشارات البرلمان، من خلال الوظيفة القضائية للمجلس الأعلى، الذي أصبح ملزما بنشر أحكامه القضائية

طباعة المقال

الوسم


أترك تعليق
من مكتبة الصور