طاراخال، معبر الذل

+ = -

مجلة 24/ حمزة بوهلال

هناك في الشمال، على بُعد ثلاثين كيلومتراً من “الحمامة البيضاء” تطوان، وضِعْفِها عن “عروس البوغاز” طنجة، (هناك) تقبع شبه جزيرة سبتة، ذلك الجزء المغربي الهويّة، الإسبانيُ الجنسية، تلك المدينة التي تعد أقصى نقطة في شمال القارة السمراء وبوّابتها نحو أختها العجوز أوروبا. هيَ مدينة بصمت التاريخ بإسهامات علمائها الأفذاذ أمثال المؤرخ العظيم القاضي عياض، والجغرافي المُحنّك أبي عبد الله محمد الإدريسي والرياضي الفلكي الفيزيائي يوسف بن يهودا بن أكنين والمتصوّف أبي العباس السبتي وغيرهم كثُر لا تكفي المساحة ولا الوقت لذكرهم جميعا ناهيك عن ذِكر آثارهم؛ هي المدينة التي جاهدت الغزاة الأوروبيّين دهوراً طويلة حيث كانت أول هدف استعماري لهم بحكم موقعها الاستراتيجي، وكانت بذلك أيضا أول قاعدة جهادية بالمغرب إبّان عصور خلت، بل إنها درأت عنه مخاطرَ عديدة ودافع المجاهدون بسواحلها عن ترابهم بالغالي والرخيص حتى أذِنَ القدر بسقوطها في أيدي البرتغاليّين سنة 1415 للميلاد الموافق لـ 818 هجرية، لتظل أسيرةَ الاحتلال منذ ذلك العهد ولحدود كتابة هذه الأسطر، منتقلة من يد إلى يد حسب التقلبات الجيوسياسية وتغير موازين القوى عبر العقود.

منذ ذلك الحين، لم تتوقف محاولات الاسترداد التي تقوى تارة وتخفُت تارة، ولم يتوقف الجهاد لاسترجاعها أبداً ليومنا هذا. نعم، مازال الجهاد قائما بالحدود الوهمية لسبتة رغم تغيّر شكله؛ انتقل الجهاد من جهاد الدفاع عن الوطن لجهاد الدفاع عن البطن، من جهاد المحاربين لجهاد الحمّالين، من جهاد السيوف والدروع لجهاد التهريب الممنوع، من القتال لاسترجاع تراب البلاد للتدافع والتزاحم بين العباد، من حرب الشجاعة والشهامة لحرب ضياع الشرف والكرامة.

هو جهادٌ جديد ساحَته “الدّيوانة”، سلاحه العربات المجرورة أو “الكَرُّوسات”، وجنوده رجال ونساء مغاربة أقبرَ الفقر أحلامهم الوردية بعيش رغيد وأجبرتهم قلة ذات اليد على خوض غمار معركة تتكرر يوميا أمام السياج الحديدي الشائك والحُراس المَدنيين مغاربة وإسبان، همُّهم الوحيد تجاوز معبر “طراخال” الفاصل بين أرضٍ لفظتْ وأخرى أرضعَت.
هؤلاء المغاربة يقصدون باب سبتة من كل أرجاء المملكة من شمالها لجنوبها، يقطن جُلُّهُم بالشريط المنطلق من تطوان مرورا بمرتِينْ (مرتيل) والرِّينكون (المضيق) فَكاستييخوس (الفنيدق)، هذه الأخيرة التي كانت خلال عقود خلت قرية هادئة على ضفاف المتوسط حتى أضحت بين ليلة وضحاها مدينة، بل لنقل سوقا عشوائيا ضخما تحت مسمى عمالةٍ تفتقد لكثير من مقومات العمالة، حيث انفجرت ديمغرافياً خلال السنوات الأخيرة حتى فاضت بسكانها الكُثر (ستون ألف نسمة حسب إحصاء 2014) على مساحة صغيرة، فأصبح لزاما تغيير اسمها من الفنيدق (تصغير فندق) لشيء آخر أكبر حجما وأكثر اتساعا ليدل على ما جنته تلك البقعة من جوارها معبر سبتة الحدودي.
حمّالو البضائع، عمال التهريب المعيشي أو “البراگدية”، أوصاف ونعوت أُلصقت بأولئك الأشخاص العاملين في نقل السلع والبضائع وكلِّ ما غلى ثمنه أو رَخُص من داخل سبتة نحو الفنيدق، ومنها نحو أسواق المدن آنفة الذكر خصوصا والشمال عموما؛ نساءً ورجالا، يصطفون بطوابير طويلة عريضة تبتدئ بنقط التفتيش الحدودي لتصل إلى” الكوربة” (مقطع طرقي بطول كيلومترين تقريبا)، حاملين لجوازات السفر المختومة بعناوينِ سكنٍ معظمُها بإقليم تطوان الغير خاضعِ لتأشيرة مغادرة المغرب نحو سبتة؛ ولأكياس ضخمة وعربات مجرورة وصناديق من كل لون وحجم كأنهم راحلون عن الديار، أضف إلى ذلك “الكارطونات” الممكن استعمالها كفِراش ووسائد عندما تتعقد الأمور بالمعبر ويمنع الحرس العبور تماما فتصبح رمال الشاطئ المحاذي فراشَ المنتظرين لفتح المعبر بعد أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ودهاليز مخازن البضائع بالجهة المقابلة ملاذَ الهاربين من حجز سلعهم ورُزَمِهم إلى أن تهدأ الأمور إما بتغير دورية الحرس أو بمستجد ما.. البحر أمامَهم والعدو وراءهم.

عبور الديوانة في الأيام المسموح فيها دخول البراگدية (من الاثنين للخميس لحدود ساعة الزوال) يعتبر ضربا من السحر، ومجنون من فقط ينوي مزاحمتهم، فقد يشتد التزاحم والتدافع (في الممرات المغربية المعطرة بكل ما تنفر منه الأنوف، وتحت رحمة الشبابيك الإسبانية التي ما إن يصلها الفرد حتى ينقبض صدره من ضيقها وشكلها الذي يوحي بأنها لإصطبل بهائم لا كائنات بشرية) فتُدفع وتُركل وتُرفس تحت الأرجل دون أن يعلم بك أحد، فالكل مُوَلٍّ وجهه شطرَ قِبلة الدّرهم، كأنها القارعة، وما أخبار القتلى بغريبة على أرض “طراخال”، منهم زْهُور وبشرى المتوفيَتان سنة 2009 بسبب التدافع.
تُستخرج معظم البضائع الغير خاضعة للرسومات الجمركية من مستودعاتِ تخزين البضائع الإسبانية سواء تلك المحاذية للديوانة أو خزائن المضربة؛ حيثُ يُستخرجُ، حسبَ تقرير جمعية الأندلس لحقوق الإنسان الصادر متمّ شهر نونبر 2016، ما قيمته أكثر من 400 مليار سنتيم من البضائع سنويا؛ أي حوالي نصف صادرات المدينة المحتلة. من هذه البضائع ما يُحمل كما ذُكر آنفا على ظهور النساء والرجال في مشهد عبودي بحت، ومنها ما يخرج في صناديق السيارات وفوقها وتحتها وداخلها وخارجها؛ بل حتى فوق حُجُور راكبيها وقد تستدعي ضرورة عدم وجود حيز كاف لوضع ما تيسر منها بين رِجْلَيْ السائق أيضا، “المهم دُّوز الديوانة”!!

المعاناة هنا مشتركة ومتقاسَمة، فالنساء تعاني من تأجير ظهورهن لتهريب أكبر كمية من البضائع مع تلقف كل أشكال السب والشتم من الجمارك والحرس المدني قد تصل أحيانا كثيرة للتحرش لفظاً وفعلا؛ الرجال هناك أيضا كالدواب الناقلة للأثقال مع تحمل الضرب والرفس والسب، بيد أنهم، وعكس النساء اللائي قد يصبرن بجلَد، يدخلون غالبا في اشتباكات فيها بينهم أو مع الأمن قد تنتهي باعتقالهم ومصادرة كل بضائعهم وقد تُشطَب جوازات سفرهم.. أصحاب السيارات أيضا ليسوا في بحبوحة، فمرور العربات يتطلب مدة أطول وإجراءات أعقد، لذا يهرع أصحاب السيارات منذ الفجر للاصطفاف أمام السياج علهم يحوزون مكانا متقدما يُمكنهم، رغم طول الإجراءات، من عبوره باكرا نوعا ما.

في طراخال، “ثمّة مساواة حقيقيّة بين النساء والرجال، ليس في الحقوق الأساسية كمَا تطالبُ بذلك الجمعيات المدافعة عن حقوق المرأة، بلْ في الشقاء والمعاناة والعذاب، فلا فرْقَ هُنا بين ظَهْرِ ذكرٍ وظهر أنثى، كلُّ الظهور مُلْزمة بأنْ تستحملَ حمْلَ رُزم من البضائع قدْ تجد الدوابّ مشقّة في حمْلها”، يقول الأستاذ محمد الراجي بتحقيقه المنشور سنة 2016 عن معاناة النساء بمعبر سبتة بمنافذها الثلاثة (طراخال 1 وطراخال 2 وبْيُوتز).
وأزيدُ على قول الأستاذ تفصيلا صغيرا، وهو أن المعاناة بالفعل مشتركة بين النساء والرجال صغارا وشبابا وكهولا وشِيباً، فطراخال لا يعترف بالسن، وبمجرد أن تطأ أرضه، ستَسْتنتج ذلك. أطفالٌ بعمر الزهور منتشرون بكل ركن، يتحيزون الفرص المناسبة للانسلال عبر الازدحام نحو داخل سبتة، وانتظارا لذلك، يبقى التسول لسدّ الجوع حلّاً أوليا، فيما الانتشال والسرقة حلا عَرَضيا كلما استدعت الضرورة. من هؤلاء الصبية من أرسله أبَواه أو أحدهما عمدا، ومنهم من أبواه أو أحدهما لا ينتبه أصلا لوجوده من غيابه؛ يصولون الديوانة نهارا ويفترشون الأرض ليلا تحت السياج أو في أحد المخابئ أو داخل القنوات الجانبية لتصريف مياه الأمطار عندما تمسك السماء، احتماءً من عوامل الطقس.

شكل آخر من أشكال المعاناة بباب سبتة، مشكلُ المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء والذين يتخذون من غابات الفنيدق وبليونش المجاورة مخابئَ يركنون لها أسابيعَ طوالا قبل أن يأتي يوم الاقتحام الجماعي فينزلون، بطراخال أو بينزُو، على حين غرة أفواجا بكل ثقلهم وبكل ما أوتوا من قوة ليُباغِتوا الحرس ويستغلوا تشتتهم لإيجاد منافذ نحو سبتة، فينجحون مرات ويفشلون في أخرى، لكن لهم في كل هجوم نصيب ولو كان انسلال فرد أو اثنين نحو سبتة، لتبدأ هناك فصول حكاية أخرى لعبور مضيق جبل طارق نحو نعيم دول الشمال.

نعم، إنه المغرب يا سادة، المغرب في أبهى صور احتقاره لكرامة مواطنيه وفي خرق سافر لكل فصول الباب الثاني من دستور 2011 عن الحريات والحقوق الأساسية ولكل اتفاقيات حقوق الإنسان التي يتغنّى بها القائمون على هذا البلد السعيد.

مكتب الشمال

طباعة المقال

الوسم


أترك تعليق
من مكتبة الصور