جمعيات مدنية خارج السياق فهل من حلول؟

+ = -

مجلة24:بقلم أزلو محمد
خلال إحدى فترات رحلاتي القصيرة…وبعيدا عن روتين مدينتي الصغيرة،ارتأيت ذات مرة السفر برهة من الزمان،وكانت العاصمة الاقتصادية هذه اللحظة ديدني ومقصدي،فحنين طفولتي ومركن نمو عودي يشدني نحوها.
في تجوالي بين دروب وأحياء وأزقة هذه المدينة الشبح،تعبت أوصالي وهدت عضلات جسمي،فاخترت مقهى بأحد الأحياء الشعبية، التي تعبق بين لبنات جدران بيوتها أريج التاريخ المسطر بين فهاريس كتب اغبرت صفحاتها، لتكون لي مرتعا وباحة للاستراحة، اخترت مقعدا وناديت النادل،فطلبت مشروبي المختار لحظتها “لأني لست من الذين حددوا مشروبهم الأبدي حيث يعرفون عند النادل به” .
بدأت في احتساء قهوتي،وبدأت رحلتي الخيالية داخل أبراج وجداني،تشدني بقوة نحو التفكير العميق والفلسفي, حيث سارت بي نحو عوالم السياسة والرياضة والاقتصاد، تبحرت داخل أعماقي وصفت حينها روحي،وتشكلت خلالها نماذج أفلاطونية،وحوصرت داخل دوائر مغلقة.
لكن فجأة تاهت بوصلة أفكاري،وتدخلت أصوات بشرية في عالمي الواقعي، لتطرد عالمي الخيالي الجميل،خرجت من القوقعة الروحية الأفلاطونية، والتحمت مسامعي لحوار بين ثلاث شبان اختاروا الجلوس بقربي، كانت أصواتهم أقوى من أن أتحاشى التجسس على محور نقاشهم اللحظي، فقد تحول حوارهم لجدال فكري لا يفسد للود قضية، لكنه أفسد علي لحظات المتعة في عالمي الروحي الخيالي.
حسب ما تناهى لمسامعي فأحد الشباب رئيس لجمعية بيئية،والآخر رئيس لجمعية تهتم بالطفولة،والثالث طالب مازال يبحث بين جدران الجامعة عن شواهد قد تقيه عثرات الزمان والمكان، حوارهم الذي تحول لجدال عقيم، كان حول المشاركة المخجلة لمنتخبنا الوطني خلال نهائيات كأس إفريقيا المنظمة حاليا ببلاد الفراعنة، ولاختلاف وجهات نظرهم للموضوع، اختلفت قراءاتهم لمستوى المنتخب الوطني، واختلفت أحكامهم على مكونات هذا الفريق، فأحدهم حمل الهزيمة للمدرب وللاعب الذي أضاع ضربة الجزاء ، والتي كانت نقطة مهمة في الخروج المذل…والثاني وجه فوهة بندقيته للجامعة ولرئيسها مطالبا بالإتحاد ككل بالاستقالة سيرا على نهج البلد المنظم مصر،حيث قدم الإتحاد المصري استقالته فور الهزيمة أمام جنوب إفريقيا… والثالث كان أشد حكما وأقوى جرأة،حيث طالب بإيقاف تمويل المنتخبات الكروية،وتحويلها لصناديق اجتماعية تساهم في تنمية الوطن،وكانت حجته الدامغة، في أنه لكي نكون أقوياء في الرياضة،فيجب أن نكون أسوياء في الصحة والتعليم والسكن.
في وسط أوج جدال الشباب،ولج المقهى طفل ذو ملابس رثة،طلب من الزبناء مساعدته على تلبية حاجيات والدته المريضة،وذلك بدراهم معدودة يسد بها رمق ليلته المشؤومة،ويشتري بعض الأدوية لوالدته السقيمة، فكان من الزبناء من ناوله درهما أو درهمين،ومنهم من صرفه بأدب ولطف لقلة ذات اليد.
وحينما اقترب الطفل من الشباب الثلاثة المتعاركون أفكاريا حول كرة من جلد لا تغني ولا تسمن من جوع، انتفظ رئيس الجمعية المهتمة بالأطفال في وجه الطفل المتسول، طالبا منه الانصراف والبحث عن عمل بدل احتراف التسول.
حاول الطفل الصغير الانصراف والدموع تغمر عينيه الصغيرتين، تأثرت لحاله وناديته وطبطبت عليه وناولته بضع دراهم أعلم أنها لا تكفي لسد شبح الجوع، وتأسفت لحال شاب يقول بأنه رئيس جمعية للأطفال، والذي بدل استفسار الطفل عن معاناته وأسباب لجوئه لاحتراف التسول،وبالتالي إيجاد حلول لمساعدته على العودة لحجرات الدراسة مكانه الأصلي،اختار صاحبنا أن يكون فضا غليظ القلب،لو انتهجها نبينا الكريم لما وصلنا هذا الدين العظيم.
في غمرة غضبي المكبوح، ناديت النادل وناولته ثمن مشروبي الذي تحول لعلقم مر، عند مشاهدة تصرف ذاك الأرعن اتجاه طفل مسكين، غادرت المقهى تاركا أصحابي يتجادلون حول من يستحق تدريب المنتخب،ومن يستحق رئاسة جامعتها،وفي طريقي لمحطة القطار من أجل العودة لمدينتي الصغيرة، تراءت لذهني أفكار ووجهات نظر شخصية وتساؤلات عميقة،قررت تحويلها لنقرات عبر هاتفي المحمول،وبالتالي تجنيسها لمقال صحفي قد تصلح الكلمات المنقورة فيه ذات يوم لتحويل إتجاه البوصلة لسكتها الصحيحة.
فكيف يتم الترخيص بتأسيس جمعية بيئية لشخص يختار أقرب الجدران للتبول عليها؟؟؟؟
كيف يتم الترخيص لجاهل أمي لا يفقه في الثقافة خبر بتأسيس جمعية ثقافية؟
كيف يعقل أن نرخص لمدمن خمر أو مخدرات بتأسيس جمعية لمحاربة هذه الآفة؟
كيف نرخص لمن تعاني زوجته الويلات من تصرفاته الصبيانية بتأسيس جمعية للدفاع عن حقوق النساء؟؟؟
كيف يمكننا الوثوق بشخص لا يربط حزام السلامة ولا يقف عند الإشارات الممنوعة وإعطائه وصلا بقيادة جمعية تهتم بالسلامة الطرقية؟؟؟
كيف…وكيف .…

طباعة المقال

الوسم


أترك تعليق
من مكتبة الصور