الطلاق هدم حياة مابين الأسباب والمآلات

+ = -

بقلم ذ. منيرهدوبة
مدير الأكاديمية الدولية للتدريب والإستشارات النفسية والأسرية

من المسلمات التي لا يخالفها عاقل حصيف أن الأسرة هي عماد المجتمع وأساسه الذي اذا اختلت، اختل المجتمع، ولا شك أن صلاح الأسرة هو السبيل الأول لصلاح الأمة ونهضتها، ولما كانت للأسرة هذه الأهمية الكبرى والمكانة السامقة وجب الحفاظ على كيانها ورد أي ضرر يهدد استقرارها, ولقد عرفت الأسرة المغربية عامة الأسرة التطوانية خاصة خلال السنوات الأخيرة ارتفاع نسبة الطلاق، حيث تصدرت مدينة تطوان لائحة ارتفاع نسبة الطلاق بالمغرب، وفي هذا المقال سنسرد بعض الأسباب التي نعتقد أن لها الأثر الكبير في انتشار هذه الظاهرة الاجتماعية التي أصبحت تهدد استقرار كيان المجتمع المغربي .
قد يكون الطلاق هو الحل الأمثل في بعض المواقف الأسرية المضطربة التي تسير فيها العلاقة بين الزوجين إلى نفق مسدود فتستحيل معه استمرار الحياة الزوجية فيأتي الطلاق كالكي آخر الدواء، لرأب الصدع الذي أصاب هذه الأسرة المضطربة، ولا شك أنه لا خلاف في مشروعية الطلاق، وأن الله شرَّعه لحكم وغايات تُحقق مصلحة الأسرة والمجتمع وتقيها ما قد يصيب كيانها، بل إن شرع الله أحيانا كثيرة يوجب الطلاق إن آل هذا الأخير إلى ضرر نفسي أو جسدي، أو خرق القواعد الدينية أو المجتمعية،وخالف مفهوم مودة والرحمة قال تعالى من آياته ” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”(الآية 21 سورة الروم)، فمتى لم تتحقق المصلحة الكبرى من هذا السكن وقامت أسباب أخرى على نقيضه وجب إيقاف هذه الحياة المفرغة من مقاصدها الشرعية.
إن المجتمع التطواني في أصله مجتمع محافظ يتمتع بكل القيم الدينية السمحة التي تجعل منه مجتمعا متماسكا ومترابطا يحمل ما تحمل أسره بين ثناياها من قيم المودة والتسامح والأُلفة والرحمة، وكلها قيم اكتسبها من تشبعه باللثقافة الدينية والموروث الثقافي الأصيل في تماشي منظم مع الثوابت المغربية… فما هي الأسباب التي آلت بهذا المجتمع إلى هذه الظاهرة الكارثية وعصفت بقواعده الأخلاقية السامية وخرقت النظام الأسري المترابط فيه، لتُنتج لنا مجتمعا متخلخلا مهزوزا ؟ وما هي الآثار المترتبة عن هذه الظاهرة ؟ وأية حلول ناجعة لمعالجتها ؟
أسباب الطلاق
تتعدد أسباب ومسببات الطلاق وتختلف باختلاف البيئات الأسرية ولكننا هنا سنركز على الأسباب الرئيسية والعامة للطلاق.
الأسباب الدينية : لقد وضع الشرع ضوابط وقواعد ينطلق منها الراغب في الزواج فتكون له بمثابة معايير على أساسها يتم اختيرا شريك الحياة ومادام الدين هو الأصل في كل مناحي حياة المسلم فلا شك أن التمسك بقواعده والالتزام بضوابطه عون لشبابنا على اتباع الفضائل ومحاسن الصفات. لقد جاءت الآيات والأحاديث تثرى تحث على حُسن اختيار شريك الحياة سواء من النساء أو الرجال، ويضيق المقام هنا لذكرها وإنما نقول أنها بمجموعها تُركز على وجوب توفر القيم الدينية في كلا الطرفين كأساس يُبنى عليه ما بعده، قال النبي صلى الله عليه وسلم : “تُنكح المرأة لأربع : لِدِينِهَا، وَجَمَالِهَا، وَمَالِهَا، وَحَسَبِهَا، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ” صحيح البخاري. هذا ولم يُعارض الدين ضرورة الحرص على توفر كل طرف على ما يدعوه إلى التشويق لهذا الزواج. فمن حق الرجل والمرأة على السواء التحقق من رؤية أحدهما للآخر قبل العقد، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها : “أَنَّ فَتَاةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ : إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ وَأَنَا كَارِهَةٌ، قَالَتْ : اجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرَتْهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِيهَا ، فَدَعَاهُ ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ أَلِلنِّسَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ؟”(سنن النسائي الصغرى) إن عدم التمسك بالتعاليم الدينية أحد أهم أسباب الطلاق, إن الأصل في الزواج أن تنشأ علاقة دائمة نقوم على الحب والأُلفة والتفاهم لتحقيق المقاصد الشرعية المرجوة منه.
وأيضا من الأسباب التي نوردها في هذا الباب أن التمسك ببعض العادات والتقاليد والأعراف السيئة والغير سوية والتي جزت بهذه النعمة الربانية (الزواج) في هذا الممر الضيق الذي لا يكاد يتسع لرحمة هذا الدين، كان لها الأثر السلبي في تفاقم هذه الظاهرة بمجتمعنا المغربي, إن التقاليد التي تفرض على الفتاة قبول أي رجل تقدم إليها سواء أتحققت فيه شروط أهليته لهذا التكليف أو لم تتحقق كفيلة بأن تفضي في نهاية الأمر إلى الطلاق، كما أن إرغامها على رجل أكبر منها سنا أو أقل منها منزلة بحيث لا تألفه نفس لمجرد أنه يمتلك مايمتلك من مال أو جاه فإن هذا أمر مردود في شرع الله، فإنما ينجح نظام الأسرة ويستمر ويؤتي ثماره بالحب والألفة وتحقيق الفطرة والغريزة التي زرعها الخالق في عباده لقوله تعالى : “فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ” (الآية 3 سورة النساء)
سوء فهم مفهوم القوامة
إن مفهوم القوامة الذي شاع بين شباب هذا الجيل أدى بهم إلى قلب الموازين وأحدث إنتكاسة في دور الرجل داخل الأسرة، فالقوامة التي وهبها الله للرجل لا تقتصر على الإنفاق المادي ولا تُعطي له الحرية المطلقة في جل أمره، ولا تبيح له تضييع حق زوجته كما لا تبيح له تملصه من المسؤولية المنوطة به، إنما قوامته ومسؤوليته في الحماية والرعاية والولاية والكفالة والتربية وحفاظه على إستقرار أسرته كيفما كانت الظروف وبما مكنه الله فيه واستحضاره لعظم الأمانة التي أوكله الله الحفاظ عليها :”كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ” (أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما).
العلاقات الغير شرعية
لقد شاع في صفوف شبابنا أن العلاقات العابرة لا تشتكل أي خطر عليهم ولا يتحملون فيها أي مسؤولية تذكر وقد ساعدهم في ذلك الثقافة الذكوية التي تتعمد تحمبل المسؤولية للإناث في كل ماقد يترتب عن أي علاقة غير شرعية , في حين يبقى الرجل رجلا لايمسح أي سوء اللهم في بعض الحالات النادرة .
كثيرا ما تؤول بعض العلاقات الغير شرعية إلى زواج شكلي حيث أن غالب الشباب يتزوجون إما لدرء أعين المجتمع عن هذه العلاقة الغير شرعية أو يتزوجون إعجابا بجمال وحسن قوام، وبعد الزواج تتحطم الصورة الخيالية التي كان يرسمها الشاب أو الشابة في مخيلته ويصطدم بالواقع المرير وتتلاشى كل الأحلام الجميلة التي كان يبني صرحها, وعوض أن يحاولوا مواجهة الواقع وتقبل الحقائق يلجأ الشباب إلى الطلاق كوسيلة للتخلص من المسؤولية.
العنف الزوجي
لقد أصبح العنف الزوجي يعم غالب المجتمعات العربية، وقد تختلف أسبابه وأشكاله ودواعيه، وفيما يلي نسرد بعض أشكال هذا العنف بشكل مختصر.

العنف المالي : حق المرأة على زوجها أن يُنفق عليها تحقيقا لأحد مقومات الولاية، ولقد أصبحنا نرى في بعض المجتمعات إعراض الأزواج عن هذا التكليف في محاولة التملص من مسؤولية الإنفاق بل وقد يتجاوز الأمر ذلك، إلى حد فرض بعض الأزواج على زوجاتهم العمل كرها أو تعذرا ببعض الاسباب الواهية وإخضاعهن للمراقبة الصارمة لأجورهن من العمل، والأدهى من ذلك أن بعض العائلات تحرم الإناث من ميراثها قهرا وغصبا وكل هذا يعد عنفا في حقها.
العنف الجنسي : وغالب هذا العنف يبدأ بليلة “الدخلة” حسب هذا المصطلح الشائع بين الناس، فموضوع الثقافة الجنسية من المواضيع المسكوت عنها في المجتمعات العربية على اعتبار أنه موضوع حساس ولا يجب أن يطرح للنقاش وهذا الأمر هو ما جعل أغلب العلاقات الزوجية تؤول للفشل لسكوتها على بعض الممارسات الشادة التي تحصل في تلك الليلة والتي تكون القاليد والعادات أهم دواعيه.
إن افتقار بعض الشباب إلى الثقافة الجنسية قد يسقطهم في ممارسات خاطئة لليلة الدخلة مما يعود سلبا على باقي ليالي الحياة الزوجية وينغص عليهم سعادتهم والمتعة الحلال المرجوة منها, إن شعور الزوجة بالخجل أو الخوف الذي يعتريها من رجل غريب عليها وبعض الاعتقادات الخاطئة عن عملية الجماع في تلك الليلة قد يكون سببا هاما في حصول هذه الممارسة, فقد يضطر العريس إلى إرغامها على الجماع وهي في حالة نفسية مضطربة إما اتباثا لذكوريته أو إرضاء لأهله وتقريرا لبعض العادات والتقاليد , فيأثر هذا العنف على المرأة ليُلازمها طول فترة زواجها, وهنا أأكد أنه يجب علىينا تأهيل الشباب إستعدادا لهذه المرحلة الحياتية المهمة جدا.
إن الحديث عن الثقافة الجنسية لا يرتبط بليلة الدخلة بقدر ما يرتبط بالحياة الزوجية بصفة عامة، فإن بعض السلوكات الغير جيدة غالبا ما تصدر من بعض الأزواج دون علمهم بخطورتها, ولقد سبق أن ذكرنا أن المجتمعات العربية تبقى متحفظة عن مشاكلها الجنسية استحياء وخجلا مما يتسبب في معاناة العديد من الزوجات خصوصا, إن الأخطاء التي قد تحصل في المعاشرة الزوجية لا يتم تداركها أو محاولة إصلاحها إلا باستشارة الأخصائيين في المجال الأسري .
العنف النفسي
تتجسد بعض مظاهر العنف النفسي في بعض السلوكات الغير أخلاقية كالسخرية والإقصاء والإهمال والتضييق على الطرف الآخر أو التهديد بالإعتداء والتعذيب والهجر الغير مبرر، حيث يعمد بعض الأزواج إلى ممارسة ما أسلفنا ذكره من أنواع العنف التي تترك أثارا نفسية سلبية على الزوجة ويشعرها إما بالذل أو الاحتقار وهذا بلا شك أمر يتسبب في كرهها لزوجها، فيتعكر صفاء الحياة الزوجية المفروض أنها قائمة على الأمن والاستقرار الدائمين والمحبة اللامشروطة.
العنف الجسدي
هناك بعض الحالات التي تُفضي إلى الطلاق أيضا نتيجة العنف الجسدي الذي قد يمارس على الزوجة كالضرب المباشر على الجسد فيتسبب في بعض الجروح أو الكسور, وتختلف أنواع العنف الجسدي حيث يصل إلى حد التعذيب أو الحرق بالنار في بعض الحالات التي غالبا ما يكون الزوج فيها تحت تأثير المخدرات أو المسكرات، ولا شك أن هذا النوع من العنف أي العنف الجسدي لا تتحمله المرأة بما يضطرها بالمطالبة بالطلاق هروبا من جحيم لا يطاق.
تختلف أشكال العنف باختلاف المجتمعات والثقافات والقيم السائدة فيها، كما تختلف درجة تقبل هذه المجتمعات لهذه الممارسات وبالتالي تختلف أسباب العنف الزواجي تبعا لهذه الاختلافات، فمنها ما هو نفسي ومنها ما هو مادي ومنها ما له علاقة ببعض العوامل الاجتماعية والعادات والتقاليد المتوارثة، ولا شك أن التوعية الدينية لها دور هام في الحد من هذه السلوكات الغير السوية والتي ساهمت في هدم الكيان الأسري وإخراجه عن مقاصده الشرعية حتى آل بنا الأمر إلى مجتمع مهدد بإنهيار أخلاقي وضياع نفسي فارتفعت نسبة الطلاق والانتحار والإدمان والتشرد والهدر المدرسي والعنف المدرسي وغيرها من الظواهر السلبية والشدود الجنسي والزنى.
لقد دق ناقوس الخطر ويجب علينا أن نواجه هذه الظاهرة الكارثية التي نخرت جسد المجتمع المغربي عامة والتطواني خاصة ولا حل سوى تظافر الجهود لمواجهتها في ظل المتغيرات التي طرأت على مجتمعنا بكل أنواعها كتغييب الوازع الديني وجهل الشباب بالمقاصد المرجوة من الزواج وتحملهم المسؤولية المناطة بهم,
حقيقة أنه لا توجد حلول سحرية لهذه الظاهرة والحال أن الأسباب متعددة والحالات مختلفة وكذلك لا يوجد مقاس واحد صالح لكل المشكلات الأسرية ناتجة عن الطلاق أو الموصلة إليه، وإنما نقول أن العودة إلى شرع الله الذي يجمع كل الحلول لكل تلكم المشكلات على اختلاف أنواعها وأسبابها هو الحل الأوحد لذلك، طبعا تختلف طرق تنزيل تلك الحلول بين ما هو نفسي وما هو اقتصادي وما هو فقهي صِرف، ولكن يبقى الأصل واحد. وتبقى الآية الكريمة : “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”(الآية 21 سورة الروم) هي الضابط لكل حياة زوجية كريمة وهي أساس كل نظام أسري قائم على المحبة والإخلاص.
ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن الطلاق شرع الله كما هو الحال بالنسبة للزواج، وفي حالات كثيرة يكون الطلاق خيارا استراتيجيا قد أقر ذلك القرآن في قوله تعالى : “فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ” (الآية 229 سورة البقرة) لذا فإن الطلاق لا يعني دائما التفكك والانفصال والتخلص من الزوجة والأبناء، بل هو ارتباط بهم وإلتزام بشرع الله بصورة أخرى، بحيث يُلزم الزوج بالنفقة ومؤخر الصداق ونفقة العدة والمتعة وتأمين السكن للزوجة والأبناء, فرغم انقطاع العلاقة الجسدية وعدم الاجتماع للعيش في بيت واحد تظل علاقة النفقة على الأبناء والإحسان للزوجة المطلقة قادمة بشرع الله.
إن الطلاق التشريع الإلهي جاء ليحفظ مصالح العباد وبالتالي فهو حافظ لمصلحة الزوجين في حالة استحالة إقامة حياة زوجية مستقرة، وختاما نقول وجب على شببنا استعار عظم هذه الامانة والتهيئة الجيدة لها تفاديا لهذه المآلات الغير جيدة.

طباعة المقال

الوسم


أترك تعليق
من مكتبة الصور